الخليلي - مناهج التشريع الإسلامي, مناهج البحث العلمي عند علماء المسلمين

  • Uploaded by: Brahim
  • 0
  • 0
  • June 2020
  • PDF

This document was uploaded by user and they confirmed that they have the permission to share it. If you are author or own the copyright of this book, please report to us by using this DMCA report form. Report DMCA


Overview

Download & View الخليلي - مناهج التشريع الإسلامي, مناهج البحث العلمي عند علماء المسلمين as PDF for free.

More details

  • Words: 9,767
  • Pages: 30
‫‪1‬‬ ‫مناهج التشريع السلمي‬ ‫مناهج البحث العلمي عند علماء المسلمين‬

‫محاضرتان ألقاهما سماحة الشيخ‪/‬‬ ‫أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي‬ ‫المفتي العام لسلطنة عمان‬ ‫عضو اللجنة الملكية الخاصة‬ ‫بجامعة آل البيت‬

‫‪2‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫والصلة والسلم على رسوله الكريم‬ ‫أما بعد‪:‬‬ ‫فقد دأبت جامعة آل الححبيت منححذ تأسيسححها علححى الححدعوة لمححا فيححه وحححدة‬ ‫المة والعقيدة‪ ،‬والتقريب بين أصحاب الديان التي تلتقي على وحدة الخححالق‬ ‫واليمححان بححه‪ .‬واسححتطاعت أن تسححتوعب فححي رحابهححا المححذاهب السححلمية‬ ‫السبعة‪ ،‬لتستمع وتقرأ وتقارن بين الراء‪ ،‬وتترك لطلبتها حريححة بنححاء قاعححدة‬ ‫فكرية سليمة بعيدة عن الشطط والتعصب‪ ،‬وتمجيد الرأي الواحد‪ ،‬أو الفكار‬ ‫الحادية الرؤية‪ ،‬وكان منهجها فححي كححل ذلححك إعلء صححوت الحححوار العلمححي‬ ‫الموضوعي الرصين‪ ،‬وتعميق عادة الصغاء والسحتماع لكحل فكحر أو قحول‬ ‫واحححترام الححرأي‪ ،‬والححرأي الخححر والححدفاع عنححه‪.‬وكححان مححن ضححمن برامجهححا‬ ‫وخططها أن تستضيف كبار العلماء الجلء من مختلف المذاهب والمدارس‬ ‫الفكرية لتستمع إليهم وتحاورهم‪ ،‬وتجادلهم بالتي هي أحسن‪ ،‬هدفها ورائدهححا‬ ‫في ذلك البحث عن الحقيقة والمعرفة‪ ،‬وتقريب وجهات النظحر‪ ،‬وتجسحير محا‬ ‫بينها من خلف أو تباعد‪.‬‬ ‫وقححد سححعدت جامعححة آل الححبيت بالسححتماع إلححى محاضححرتين قيمححتين ألقاهمححا‬ ‫سماحة الشيخ‪ /‬أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي المفتي العام لسححلطنة عمححان‬ ‫عضو اللجنة الملكية الخاصة بجامعححة آل الححبيت‪ ،‬اسححتطاع مححن خللهمححا مححد‬ ‫جسور التعارف والتفاهم والتعاون بين أبنححاء المححدارس السححلمية المتعححددة‪،‬‬ ‫وعرض في إحدى هاتين المحاضححرتين‪ ،‬بعلمححه وذكححائه المعروفيححن‪ ،‬وجهححة‬ ‫نظر الفكر الباضي في بعض القضايا الخلفية البسيطة‪ ،‬حيث أكد أن جميع‬ ‫المدارس السلمية تصدر عن نبحع واحححد هحو القححرآن الكريححم‪ ،‬وسحنة سحيدنا‬ ‫محمد عليه أفضل الصلة والتسليم‪.‬ويطيب لنا في جامعة آل البيت أن يكححون‬ ‫ضححمن نشححراتنا التخصصححية هححذا الكححتيب الححذي يجمححع بيححن دفححتيه هححاتين‬ ‫المحاضرتين القيمتين‪ ،‬وال نسأل أن يوفق أبناء المة السلمية لما فيه خير‬ ‫عزتها ومنعتها ووحدتها‪ ،‬لتتبوأ مقعدها ومكانتها المرموقة‪.‬وآخر دعوانححا أن‬ ‫الحمد ل رب العالمين‪.‬‬ ‫رئيس جامعة آل البيت‬ ‫الدكتور ‪ /‬محمد عدنان البخيت‬

‫‪3‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫محاضرة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي‬ ‫المفتي العام لسلطنة عمان‬ ‫‪(1‬‬ ‫" مناهج التشريع السلمي"‬ ‫الحمد ل رب العالمين‪ ،‬أحمده وأسححتعينه وأسححتهديه‪ ،‬وأعححوذ بححال مححن‬ ‫شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده ال فل مضل له ومن يضححلل فل‬ ‫هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن سححيدنا ونبينححا‬ ‫محمدًا عبده ورسوله‪ ،‬أرسله ال رحمححة للعححالمين وسححراجًا للمهتححدين وإمامحًا‬ ‫للمتقين‪ ،‬ونعمة على الخلق أجمعين‪ ،‬فجمع شمل أمة بعد شتاتها‪ ،‬وهداها بعد‬ ‫ضللها‪ ،‬وعلمها بعد جهلهحا‪ ،‬صحلى الح عليحه وعلحى آلحه وصححبه أجمعيحن‬ ‫وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين‪.‬‬ ‫أصحاب الفضيلة العلماء الجلء‪ ،‬أيها الخوة الطلبة‪ ،‬السلم عليكم ورحمححة‬ ‫ال وبركاته‪ ،‬إنها لفرصة سعيدة أن نلتقي في هححذا المكححان الطيححب‪ ،‬فححي هححذه‬ ‫المؤسسة العلمية الشامخة التي أسست لرفع راية الحححق والعلححم ومححد جسححور‬ ‫التعارف والتعاون‪ ،‬وذلك من أجححل لححم شححعث المححة ورأب الصححدع وتوحيححد‬ ‫الكلمة حتى تكون أمة عزيزة متواصلة متعاونة علححى الخيححر‪ ،‬كمححا دعححا إلححى‬ ‫ذلك القرآن الكريم‪ ،‬وحثت عليه السنة النبوية على صححاحبها أفضححل الصححلة‬ ‫والسلم‪ ،‬وإن من أحسن الكلمات في ذلك هذه الكلمات الرائعة التي سمعناها‬ ‫الن من سعادة العميد التي تدعونا إلى تفهم حقيقة هذا الدين الححذي بعححث ال ح‬ ‫به عبده ورسوله محمدًا صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فديننا كما جاء بعقيدة التوحيححد‬ ‫جاء أيضًا بالدعوة إلى توحيد المة ونبذ تشتتها وتجحاوز كحل أسحباب فرقتهححا‬ ‫وخلفها‪ ،‬فإن ال سبحانه وتعالى كما دعا في كتابه العزيز إلححى توحيححده عححز‬ ‫وجل بإفراده بالعبادة وعدم إشراك غيره معه‪ ،‬دعححا أيض حًا إلححى وحححدة المححة‬ ‫حتى تكون أمة واحدة في عقيدتها وعبادتها‪ ،‬وفي آلمها وآمالها وفي مبادئها‬ ‫وغاياتها وفي أحاسيسها ومشاعرها‪ ،‬فال سبحانه وتعححالى يقححول‪)) :‬يححا أيهححا‬ ‫الذين آمنوا اتقوا الح حححق تقححاته ول تمححوتن إل وأنتححم مسححلمون‪ ،‬واعتصححموا‬ ‫بحبل الح جميعحًا ول تفرقححوا(( ثححم يحذكرنا الح تعححالى بالنعمححة الكححبرى الححتي‬ ‫أسححبغها علححى هححذه المححة إذ جمححع شححتاتها بهححذا الححدين الحنيححف بعححد فرقتهححا‬ ‫وتنافرها وتناحرها‪ ،‬إذ قال تعالى‪)) :‬واذكروا نعمة ال عليكم إذ كنتححم أعححداء‬ ‫فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا‪ ،‬وكنتححم علححى شححفا حفححرة مححن النححار‬ ‫فأنقذكم منها كذلك يبين ال لكم آياته لعلكم تهتدون((‪.‬‬ ‫(‬

‫)‪ (1‬ألقيت هذه المحاضرة في جامعة آل البيت بتاريخ ‪6/12/1994‬م‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫ويبين سبحانه وتعالى بعد ذلك واجب المر بالمعروف والنهححي عححن المنكححر‬ ‫على هذه المة‪ ،‬لنها ل يتم لها استمساكها بهذا الحبل المتين حتى تتآمر فيما‬ ‫بينها بالمعروف وتتناهى عن المنكر‪ ،‬فتتم لها وححدتها‪ ،‬إذ بحدون ذلحك يسحلك‬ ‫كل أحد منها مسلكه‪ ،‬ويؤدي المر إلى الفرقة‪ ،‬وإلى الشحناء‪،‬وإلى القطيعة‪،‬‬ ‫فلذلك قال الح إثححر ذلححك‪)) :‬ولتكححن منكححم أمححة يححدعون إلححى الخيححر ويححأمرون‬ ‫بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون(( ثم حذر هذه المححة أن‬ ‫تسلك مسلك المم السابقة التي تفرقححت فححي دينهححا عنححدما قححال‪)) :‬ول تكونححوا‬ ‫كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم((‬ ‫واليات في الكتاب العزيز التي تدعوا إلى التحاد آيات كححثيرة جححدًا‪،‬كمححا أن‬ ‫أحاديث الرسول صلى ال عليه وسلم كلها تدعو إلحى الوححدة‪ ،‬ونححن عنحدما‬ ‫ننظر إلى ما شرع ال تعالى من العبادات لهذه المة‪ ،‬نجحد أن هحذه العبحادات‬ ‫بأسرها جامعة لشتات هذه المة‪ ،‬فال تعالى كمححا جعححل هححذه العبححادات صححلة‬ ‫بين عباده العابدين وربهم عز وجل‪ ،‬جعلها أطهر رابطة بيححن هححؤلء العبححاد‬ ‫أنفسهم‪ ،‬بحيث تبعث في نفوسححهم الشححعور الخححوي تجححاه إخححوانهم‪ ،‬فيعطححف‬ ‫بعضهم على بعض ويرحم بعضهم بعضًا‪ ،‬ويححرق بعضححهم لبعححض‪ ،‬ويحححس‬ ‫كل منهم بأحاسيس غيره‪ ،‬كما يدل على ذلك حديث الرسول صلى ال ح عليححه‬ ‫وسلم عندما قال‪ )) :‬إنما المؤمنون فححي تححوادهم وتراحمهححم وتعححاطفهم كمثححل‬ ‫الجسححد إذا اشححتكى منححه عضححو تححداعى لححه سححائر الجسححد بححالحمى والسححهر((‬ ‫فالصلة التي فرضها ال تعالى في اليححوم والليلححة خمححس مححرات علححى عبححاده‬ ‫المؤمنين‪ ،‬تححذكي فححي نفوسححهم هححذه المشححاعر الخويححة بحيححث تجعححل المسححلم‬ ‫عطوفًا على إخوانه‪ ،‬يحب لهم الخير كما يحبه لنفسه‪ ،‬بل لعله يححؤثرهم علححى‬ ‫نفسه بإحساسه باللم لما يتألمون منه وبإحساسححه بالفرحححة لمححا يفرحححون مححن‬ ‫أجله‪ ،‬وكذلك الصيام‪ ،‬وكذلك الزكاة‪ ،‬وكذلك الحج وكل أمححر مححن أوامححر الح‬ ‫سبحانه وتعالى هو في حقيقتححه مححن أسححباب الوحححدة بيححن هححذه المححة‪ ،‬فعنححدما‬ ‫يحذرنا ال تعالى من شيء ما نجد أن ذلك الذي يحذرنا منه يؤدي في النهاية‬ ‫إلى القطيعة والخصام بين المة فالفحشاء التي يحذرنا ال منهححا هححي بجححانب‬ ‫ما فيها من النحطاط والفساد داعية للخصام والقطيعة بين المة عندما تشيع‬ ‫فيها‪ ،‬وكذلك المعاملت التي حذرنا ال تعالى منها تؤدي إلى ذلك بخلف ما‬ ‫أمرنا ال عز وجل به‪ ،‬فالربا الذي حذرنا ال منه هححو ضححرب مححن ضححروب‬ ‫الستغلل بين الناس‪ ،‬ذلك لن السححتغلل يعنححي أن يحححرص النسححان علححى‬ ‫توفير مصلحته التي يتصورها على حساب غيره‪ ،‬وهذا بطبيعة الحال يؤدي‬ ‫إلى أن تكون بين الناس تنافسات في اكتساب هذه المصالح‪ ،‬وذلك يؤدي إلى‬ ‫القطيعة فيما بينهم‪ ،‬وكذلك عندما يحذرنا ال تعالى من أي شيء مححا نجححد أن‬

‫‪5‬‬

‫في طي ذلك التحذير حكمًا متعددة‪ ،‬ومن ضمن هذه الحكم أن ذلك المححر قححد‬ ‫يؤدي إلى الفرقة‪ ،‬وقد يؤدي إلى الشتات بخلف ما أمرنا ال عحز وجححل بحه‪،‬‬ ‫وكذلك ما جاءنا عن النحبي صحلى الح عليحه وسحلم محن الوامحر والنحواهي ‪،‬‬ ‫فالنبي صلى ال عليه وسلم يحذرنا من أن يخطب أحدنا على خطبة أخيه‪ ،‬أو‬ ‫أن يسوم على سومه‪ ،‬كل ذلك من أجل الحححرص علححى مصححلحة هححذه المححة‪،‬‬ ‫وعلى وحدتها‪ ،‬وعلى عدم تفرق كلمتها‪.‬‬ ‫وبما أن الفقه السلمي واسع‪،‬كل مدرسة من مدارسه تستقي مححن كتححاب الح‬ ‫ومن سنة رسول ال صلى ال عليه وسححلم‪ ،‬وممححا ثبححت عححن السححلف الصححالح‬ ‫الذين تلقوا هذه الرسالة عن النححبي صححلى الح عليححه وسححلم صححافية‪ ،‬فححإن مححن‬ ‫الواجب على أصحاب هذه المدارس أن يلتقوا وأن يتعاونوا في ما بينهم على‬ ‫الخير‪.‬‬ ‫وإن ممححا يبشححر بححالخير الكححثير أن تكححون هححذه المؤسسححة السححلمية العالميححة‬ ‫الكبيرة التي أنشئت في هححذا المكححان الطيححب تحتضححن هححذه المححدارس الفقهيححة‬ ‫المتعددة من أجل أن يفهم الجيل الناشئ حقيقة السلم وتسامح السححلم ومححا‬ ‫في السلم من مرونححة‪ ،‬ومححن أجححل أن يحححل مشححكلته المتنوعححة فححي ضححوء‬ ‫تعاليم ال تعالى في ظححل اجتهححادات العلمححاء النححابغين مححن مختلححف المححدارس‬ ‫الفكرية والفقهية‪،‬فححإن تشححبع هححذا الجيححل بهححذه المعححارف الفكريححة والمعححارف‬ ‫ل متسامحًا متعاونًا مترابطحاً مشححدودًا إلححى أصححوله‬ ‫الفقهية المتعددة يجعله جي ً‬ ‫الفكرية‪ ،‬مشدودًا إلى كتاب ال تعالى‪ ،‬وإلى سنة رسول ال صححلى ال ح عليححه‬ ‫وسلم‪ ،‬وإلى هدي السلف الصالح الذين كانوا خير أمة أخرجت للناس‪.‬‬ ‫وقد اقترح علي الخوة‪ ،‬وأنا قادم إلى هذا الصححرح العلمححي‪ ،‬أن أتحححدث عححن‬ ‫بعض الجوانب التي تتعلق بالمذهب الباضي الذي يدرس في هذه الجامعححة‪،‬‬ ‫بجانب فقححه المححذاهب السححلمية الخححرى‪ ،‬حححتى يكححون مححن لححم يعححرف هححذا‬ ‫المذهب مححن قبححل علححى بينححة مححن أمححره وعلححى بصححيرة مححن فقهححه‪ ،‬فالمححذهب‬ ‫الباضي في حقيقته هو أحد المذاهب السلمية يعتمد على كتاب الح وعلححى‬ ‫سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وعلى إجمححاع السححلف الصححالح‪ ،‬وعلححى‬ ‫القياس‪ ،‬كما يعتمد أحيانًا علححى الستحسححان وعلححى سححد الححذرائع‪ ،‬وكححثيرًا مححا‬ ‫يعتمد علماء المذهب في اجتهححاداتهم ‪-‬إن لححم يوجححد نححص‪ -‬إمححا علححى مراعححاة‬ ‫المصححالح المرسححلة‪ ،‬وإمححا علححى مراعححاة سححد ذرائع الفسححاد‪ ،‬وإمححا علححى‬ ‫الستحسان أو القياس‪ ،‬وذلك مما يدخل في اجتهاد العلماء إن لححم يكححن هنححاك‬ ‫نححص فححي الكتححاب العزيححز أو السححنة النبويححة علححى صححاحبها أفضححل الصححلة‬ ‫والسلم‪ ،‬ولم يكن هنالك إجمححاع فححإن كححان هنالححك نححص مححن الكتححاب أو كححان‬ ‫هنالك نص من السنة الثابتة أو كان هنالك إجماع مححن العلمححاء الغححابرين‪ ،‬لححم‬

‫‪6‬‬

‫يجز تجاوز أصل من هذه الصول إلى غيرهححا مححن أبححواب معرفححة الحكححام‬ ‫الفقهية‪.‬‬ ‫ل يقححول فححي‬ ‫ونصححوص العلمححاء صححريحة فححي ذلححك‪ ،‬فالمححام السححالمي مث ً‬ ‫أرجوزته أنوار العقول‪:‬‬ ‫والصل للفقه كتاب البارئ‬ ‫إجماع بعد سنة المختار‬ ‫والجتهاد عند هذي منعا‬ ‫وهالك من كان فيها مبدعاً‬ ‫فإنه ل يمكن لي مجتهد تجاوز أصل من هذه الصول إلححى أي وجححه‬ ‫من وجوه الجتهاد‪ ،‬فإن الجتهاد مع وجود أصل من هححذه الصححول اجتهححاد‬ ‫ممنوع‪ ،‬إذ الجتهاد هو استفراغ الفقيححه وسححعه فححي استحصححال حادثححة بحكححم‬ ‫الشرع‪ ،‬وإذا كان حكم الشرع نصًا‪ ،‬فالتجاه للجتهاد ل مجال له‪.‬‬ ‫ل إذا تعارض دليل ودليل‪ ،‬أو اختلفت الذهان‬ ‫أجل قد يكون هنالك اجتهاد مث ً‬ ‫في فهم معنى لفظ من ألفاظ الشرع‪ ،‬إن لم يكن نصًا على المعنى بعينه‪.‬‬ ‫ولعلنا نتعرض لكثر من ذلك ‪-‬إن شاء ال تعالى‪ -‬لذلك يقول المام السححالمي‬ ‫نفسه في أرجوزته التي سماها شمس الصول‪:‬‬ ‫حد أصول الفقه علم يقتدر‬ ‫به على استنباط أحكام السور‬

‫‪7‬‬

‫وسنة الرسول والجماع‬ ‫كذلك القياس مع نزاع‬ ‫ومذهب الجمهور أهل العلم‬ ‫أن القياس مثبت للحكم‬ ‫وهو الصحيح لورود النص‬ ‫منبهًا عليه أو مستقصي‬ ‫أمححا النصححوص القرآنيحة فهحي نصححوص قطعيحة ل ريحب فحي ذلححك‪ ،‬إذ‬ ‫القرآن لم يختلف فيه آية من آياته‪ ،‬بل كل مححا بيححن دفححتي المصحححف هححو مححن‬ ‫كلم ال تعالى الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه‪ ،‬ول يجوز أن‬ ‫نتجاوز ما جاء في كتاب الح تعححالى محن أجححل شححك فححي نححص محن نصححوص‬ ‫ل بعححد‬ ‫الكتاب‪ ،‬لن هذه النصوص كلها محفوظة‪ ،‬وقححد تلقتهححا هححذه المححة جي ً‬ ‫جيل‪ ،‬فالقرآن متواتر تلقي عن رسول الح صححلى الح عليححه وسححلم‪،‬كمححا تلقححاه‬ ‫الرسول عليه أفضل الصلة والسلم عن أمين الوحي‪ ،‬وما تزال هححذه المححة‬ ‫ل بعد جيل حححتى وصححل إلينححا‪،‬ول يجححوز‬ ‫تتلقاه الواخر عن الوائل منهم جي ً‬ ‫الشك في أي شيء منه‪ ،‬ول التشكيك في أي منه‪ ،‬نعم هنالك أحكام في كتاب‬ ‫ال العزيز هي نصية‪ ،‬وهي الحكام الححتي جحاءت ألفاظهحا دالحة عليهححا دللحة‬ ‫واضحة ل تحتمل وجهًا آخر مححن وجححوه التأويححل‪،‬فهححذه الحكححام ل يمكححن أن‬ ‫يشك في دللة هذه النصوص عليها‪ ،‬كما ل يشك في صحححة تلححك النصححوص‬ ‫وثبوتها عن ال سبحانه وتعالى فيمححا أنزلححه علححى نححبيه عليححه أفضححل الصححلة‬ ‫والسلم‪ ،‬ومحن ذلحك قحول الصحوليين بحأن دللحة الخحاص دللحة قطعيحة لن‬ ‫دللته على معان ل تحتمل وجهًا من وجوه التأويل‪ ،‬أما العام فإن دللة لفظه‬ ‫عند الباضية وعند الجمهور من العلماء على معناه هححي دللححة ظنيححة لكححثرة‬ ‫المخصصات للعمومات‪ ،‬فإنه قيححل مححا مححن عمححوم إل وقححد خصححص مححا عححدا‬ ‫عمومححات خاصححة لححم يطرقهححا التخصححيص‪ ،‬لن التخصححيص ل يجححوز أن‬ ‫يطرقها بحال من الحوال نحو قوله تعالى‪)) :‬وهححو علححى كححل شححيء قححدير((‬ ‫وقحوله‪)) :‬ليحس كمثلحه شحيء(( وقحوله عحز وجحل‪)) :‬ول يظلحم ربحك أححدًا((‬ ‫وقوله‪)) :‬لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد(( فهححذه ل يمكححن أن تخصححص‬ ‫بأي مخصص من المخصصات‪ ،‬فإن دللحة العقححل والنقححل علححى عحدم جححواز‬ ‫تخصيصها تقتضي القطع بعموم مدلولتها‪ ،‬وذلححك بخلف العمومححات الدالححة‬ ‫ل إلى قوله تعالى‪ )):‬قححل ل‬ ‫على الحكام الفقهية التفصيلية‪ ،‬فنحن إذا جئنا مث ً‬ ‫أجد فيما أوححي إلحي محرمحًا علحى طحاعم يطعمحه إل أن يكححون ميتحة أو دمحًا‬ ‫مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أهل لغيححر الح بححه(( نجححد أن هححذا‬ ‫الحكم قححد خصححص بححالكثير مححن المخصصححات‪ ،‬فهنححاك مخصصححات متصححلة‬

‫‪8‬‬

‫جاءت في اليححة الكريمححة نفسححها‪ ،‬وهنححاك مخصصححات منفصححلة جححاءت فححي‬ ‫القرآن الكريم أيضًا كتحريم الصيد على المحرم‪ ،‬وتحريم الخمر على جميححع‬ ‫الناس‪ ،‬وهناك مخصصات من السنة النبويححة علححى صححاحبها أفضححل الصححلة‬ ‫والسلم كنهيه صلى ال عليه وسلم عحن لحححوم الحمحر الهليححة‪ ،‬ونهيحه عليحه‬ ‫أفضل الصلة والسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب مححن الطيححر‪،‬‬ ‫فهذه مخصصات جاءت لتخصيص عموم هذه الية الكريمة‪ ،‬كذلك قول الحح‬ ‫تبارك وتعالى‪)) :‬والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء(( اليححة الكريمححة‬ ‫مححن حيححث دللتهححا اللفظيححة عامححة‪ ،‬وهححذا العمححوم خصححص بكححثير مححن‬ ‫المخصصات‪ ،‬فقد خرجت النساء المطلقات اللواتي لم يدخل بهححن أزواجهححن‬ ‫بعد‪ ،‬وفي كتاب ال تعالى في سورة الحزاب التي ذكححر الححه تبححارك وتعححالى‬ ‫حكم أولئك النسوة بقوله تعالى‪)) :‬يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتححم المؤمنححات ثحم‬ ‫طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمححا لكححم عليهححن محن عحدة تعتحدونها((‪ ،‬فهحذا‬ ‫النص أخرج حكم غير المدخول بها من عموم هححذا الحكححم الححذي ثبححت بقححوله‬ ‫تعالى ))والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلثة قحروء((‪ ،‬كحذلك جحاء فحي كتحاب‬ ‫ال تعالى إخراج الحوامل من النسححاء مححن عمححوم هححذا الحكححم‪،‬وكححذلك المححرأة‬ ‫اليس والمرأة التي لم تحض خصصت بنصوص من الكتاب العزيححز‪،‬وورد‬ ‫حديث عن النبي صلى ال عليه وسلم في أن طلق المححة تطليقتححان وعححدتها‬ ‫حيضتان‪ ،‬وهو ما أخذت به المة‪ ،‬وإن ضعفت الرواية‪.‬‬ ‫وقد تكون الدلة ظنية بسبب اشتراك اللفاظ في المعاني‪ ،‬كلفححظ القححروء هححل‬ ‫هي الطهححار أم الحيححض‪ ،‬ولححذلك اختلححف العلمححاء فححي هححذا الحكححم والخلف‬ ‫موجود في المذهب‪ ،‬كما أنه موجود في المذاهب السلمية الخرى‪ ،‬والسنة‬ ‫النبوية علححى صححاحبها أفضححل الصححلة منهححا مححا روي متححواترًا فحكمححه حكححم‬ ‫القرآن من حيث عدم جواز الشك في ثبوت سنده إلححى الرسححول عليححه أفضححل‬ ‫الصلة والسلم‪ ،‬لن المتواتر قطعي لفظه‪ ،‬فإن كان نصحًا فهححو كححالنص فححي‬ ‫القرآن الكريم‪ ،‬ولذلك ل يجوز بحال من الحوال لي واحد أن يجتهد في ما‬ ‫دلت عليه السنة المتواترة دللة نصححية‪ ،‬كمححا ل يجححوز ذلححك فيمححا دلححت عليححه‬ ‫اليات القرآنية‪.‬‬ ‫أما ما كان من هذه الحاديث عن الرسول صلى ال ح عليححه وسححلم عام حًا فهححو‬ ‫ظني الدللة‪ ،‬ولو كان قطعي المتن‪ ،‬وهذا معنى قولهم‪)) :‬العام ظنححي الدللححة‬ ‫وإن كان قطعي المتن(( فنحححن نقطححع بصحححة هححذا المتححن وثبححوته عححن النححبي‬ ‫صلى ال عليه وسلم عندما يكون مرويًا عنه بالتواتر‪ ،‬ولكن من حيث الدللة‬ ‫تكون دللته ظنية بسبب كثرة المخصصات للعمومات‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫وإذا جئنا إلى الحاديث المروية عن الرسول صلى الح عليححه وسححلم بطريحق‬ ‫الحاد فل تبعد أن تكون حجيتها ظنيححة‪ ،‬وإن كححانت نصحًا فححي مححدلولتها‪ ،‬فقححد‬ ‫يتعارض الحادي مع غيره في الظاهر‪ ،‬وقححد يتعححارض مححع عمححوم القححرآن‪،‬‬ ‫فيختلف العلماء في الترجيح‪ ،‬على أن ثبوت الحادي نفسححه ظنححي‪ ،‬وقححد وقححع‬ ‫بين الصحابة ‪-‬رضي ال عنهم‪ -‬فعمر بن الخطاب ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬شك في‬ ‫حديث فاطمة بنت قيس ‪-‬رضي ال عنها‪ -‬وقال ‪" :‬ل نترك كتححاب ال ح لقححول‬ ‫امرأة ل ندري أنسيت أو ذكرت" أو كما روي عنه عليه ‪-‬رضوان ال تعالى‬ ‫عليه‪ -‬فلذلك كان مجال الجتهححاد فيمححا ورد حححديث الحححاد واردًا‪ ،‬فقححد يثبححت‬ ‫الحديث عن طائفة من أهل العلم ول يثبت عن طائفة أخرى‪ ،‬ومححع هححذا كلححه‬ ‫فإنه ل يجوز أن يجعل كلم أحححد مححن النححاس سححبباً لطححرح حححديث روي عححن‬ ‫النبي صلى ال عليه وسلم كما ل يجوز أن يكون كلم أحححد مححن النححاس سححببًا‬ ‫لطرح دللة آية من كتاب ال عز وجل‪ ،‬فإن ثبت إسناد الحديث لم يرد لجل‬ ‫اجتهاد أحد من الناس‪ ،‬بحيث يكون ذلك الجتهاد مخالف حًا للحححديث‪ ،‬أو يكححون‬ ‫مخالفًا للية القرآنية‪ ،‬فالمام نور الدين السالمي يقول في جوهر النظححام فححي‬ ‫هذا‪:‬‬ ‫ول تناظر بكتاب ال‬ ‫ول كلم المصطفى الواه‬ ‫معناه ل تجعل له نظيرا‬ ‫ولو يكون عالمًا خبيرًا‬ ‫فلو أن أحدًا من العلماء بلغ أي مرتبة من مراتب العلم‪ ،‬ولو بلغ درجة‬ ‫الجتهاد المطلق‪ ،‬بل لو كان صحححابيًا لححم يكححن لححه أن يححرد حححديثاً عححن النححبي‬ ‫صلى ال عليه وسلم صح وثبت لجل اجتهاده‪،‬ول يرد أيضاً حكححم ثبححت فححي‬ ‫كتاب ال عز وجل من أجل اجتهحاد عحالم محن العلمحاء‪ ،‬وإنمحا يكحون اجتهحاد‬ ‫العالم اعتمادًا على الحديث واعتمادًا على الكتاب العزيز‪ ،‬فالعالم يستنبط من‬ ‫الكتاب العزيز ويستنبط من حديث الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بينما الححذي‬ ‫ينطق به الرسول صلى ال عليه وسلم هو وححي أوححاه الح تعحالى إليحه‪ ،‬فل‬ ‫مجال للجتهاد في ذلك بحال من الحوال‪.‬‬ ‫ونحن عندما نرجع إلى الفقه الباضي في بعض المسائل التي قد تكون غير‬ ‫موجودة عند جمهححور المحة‪ ،‬أو يكحون القححول بهححا عنحد جمهححور المححة قححو ً‬ ‫ل‬ ‫غريبًا‪ ،‬نجد أن هؤلء العلماء الذين اتجهوا هذا التجاه ما اتجهوا إليححه هححوى‬ ‫من أنفسهم‪ ،‬وإنما قالوه استنادًا إلى اجتهاد‪،‬واستنادًا إلححى فهححم مححن كتححاب الح‬ ‫تعالى‪ ،‬وفهم من سححنة الرسححول صححلى الح عليحه وسححلم‪ ،‬ومحن أمثلححة ذلححك أن‬ ‫الباضية يرون أن الكبيرة تفطر الصائم‪ ،‬فمن كان صائمًا وقارف كبيرة من‬

‫‪10‬‬

‫الكبححائر‪ ،‬فكححبيرته تفطححر صححيامه‪ ،‬وعليححه أن يعيححد صححيام ذلححك اليححوم‪ ،‬ولكححن‬ ‫بجانب ذلك يقولون تسقط عنه الكفححارة لجححل شححبهة الخلف‪ ،‬لن الكفححارات‬ ‫كالحدود‪ ،‬وكما أن الحدود تدرأ بالشبهات‪ ،‬فكذلك الكفارات تححدرأ بالشححبهات‪،‬‬ ‫فل يكون على من قححارف كححبيرة أن يكفححر كمححا لححو أفطححر بأكححل أو شححرب أو‬ ‫جماع‪ ،‬وإنما عليه أن يقضي يومًا بدل يوم‪ ،‬وهم بذلك يستندون إلى فهححم فححي‬ ‫كتاب ال‪ ،‬ويستندون إلى روايات جاءت عن الرسول صلى ال عليه وسححلم‪،‬‬ ‫فأما الفهم في كتاب ال‪ ،‬فإن ال تبارك وتعالى ربط ما بين الصححوم والتقححوى‬ ‫في قوله عز وجل‪)) :‬يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصححيام كمححا كتححب علححى‬ ‫الذين من قبلكم لعلكم تتقون(( أي لتتقوا "فلعل" هنا كمححا هححو رأي كححثير مححن‬ ‫علماء العربية هي بمعنى كي‪ ،‬وقحد اسححتدل علححى ذلحك بشحواهد منهحا اليحات‬ ‫التي جاءت في كتاب الح تعححالى الححتي ل يمكحن أن تحمحل ‪-‬لعححل‪ -‬فهححي علحى‬ ‫الترجي‪ ،‬ومن ذلك أيضًا قول الشاعر‪:‬‬ ‫وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا‬ ‫نكف ووثقتم لنا كل موثق‬ ‫فلما كففنا الحرب كانت عهودكم‬ ‫ب في الفل متألق‬ ‫كلمع سرا ٍ‬ ‫قوله لنا "نكححف" بمعنححى لنكححف بححدلي قححوله‪" :‬ووثقتححم لنححا كححل موثححق"‬ ‫وبدليل قوله‪" :‬كانت عهودكم" فإن "لعل" لو كانت تعطي معنى الرجاء فقط‬ ‫لما كانت بمنزلة العهد الموثق‪ ،‬فإن قوله سححبحانه وتعححالى‪)) :‬لعلكححم تتقححون((‬ ‫بمعنى لتتقوا‪ ،‬فإذن كيححف نسححتفيد التقححوى مححن الصححيام؟ اسححتفادة التقححوى مححن‬ ‫الصيام هي أن المرء يحتاج في صيامه أن يغححض بصححره عححن الحححرام‪ ،‬وأن‬ ‫يمنع يده عن الحرام‪ ،‬وأن يمنع لسانه عن الحرام‪ ،‬وأن يمنع أذنه عن الحرام‬ ‫بحيث يضبط نفسحه ويقيحد جحوارحه عحن كحل هجحر محن المقحال‪ ،‬وقبيحح محن‬ ‫الفعال‪ ،‬فإذا اعتاد ذلك استطاع أن يتمسححك بحبححل التقححوى فححي جميححع العححام‪،‬‬ ‫وهان عليه أن يضبط نفسه عن محارم الح تعححالى‪ ،‬لنححه خححرج مححن مدرسححة‬ ‫خلقية‪ ،‬كما استدلوا لذلك بما أخرجه المام البخاري في صحيحه من طريححق‬

‫‪‬‬

‫‪ )) :‬مححن لححم يححدع قححول الححزور والعمححل بححه‬ ‫أبي هريرة ‪ --‬عن النبي‬ ‫فليس ل حاجة في أن يدع طعامه وشرابه((‪ ،‬فإن الكلم ل يخرج إل مخرج‬ ‫التهديححد "فليححس ل ح حاجححة فححي أن يححدع طعححامه وشححرابه" أي تركححه الطعححام‬ ‫والشراب ليس له قيمة عنححد الح تعححالى‪ ،‬كمححا اسححتدلوا لححذلك بمححا رواه المححام‬

‫‪‬‬

‫‪:‬‬ ‫الربيع في مسنده من طريق ابن عباس ‪-‬رضي ال عنهما‪ -‬عن النبي‬ ‫))ل إيمححان لمححن ل صححلة لححه‪ ،‬ول صححلة لمححن ل وضححوء لححه‪،‬ول صححوم إل‬

‫‪11‬‬

‫بالكف عن محارم ال((‪ ،‬واستدلوا أيضًا بما أخرجه الئمححة مححن طريححق أبححي‬ ‫هريرة ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬أنه قال‪ :‬فيما يرويه عن النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬ ‫))الصيام جنة فإذا كان يوم صيام أحدكم فل يرفث ول يجهل فإن أحححد سححابه‬ ‫أو قاتله فليقل إني صائم(( فحإذا كحان الصحائم ممنوعحًا عحن مواجهحة السحاءة‬ ‫بمثلها والرد عليها بنظيرها‪ ،‬فكيححف يقححارف المعصححية بنفسححه وتصححدر منححه‬ ‫الساءة إلى غيره‪،‬فالحديث يدل على أن الصائم ل يطلححب منححه مجححرد الكححف‬ ‫عن الساءة إلى غيره بل يطلب منه أن يتحمل هذه السححاءة مححن غيححره‪ ،‬وأن‬ ‫ل يرد عليها بمثلها‪.‬‬ ‫كذلك في باب الصيام أيضًا نجد أن الباضحية يقولححون بحأن محن أصححبح جنبحًا‬ ‫فإن عليه أن يعيد يومه‪ ،‬وهذا قول مروي عن طائفة مححن علمححاء السححلف فقححد‬ ‫ذكره عنهم الحافظ ابن حجر في فتح الباري وغيححره مححن العلمححاء‪ ،‬واسححتدلوا‬ ‫لذلك بحديث النبي صلى ال عليه وسلم الذي رواه المام مسلم فححي صحححيحه‬ ‫وقد أخرجه المام الربيع من طريححق أبححي هريححرة أن النححبي صححلى الح عليححه‬ ‫وسلم قال‪)) :‬من أصبح جنبًا أصبح مفطرًا(( أما الحديث الخر وهححو حححديث‬ ‫عائشة وأم سلمة ‪-‬رضي ال عنهما‪)) -‬أن النبي صححلى الح عليححه وسححلم كححان‬ ‫يصبح جنبًا فيصوم(( فقد أجابوا عنه بالجمع بين هذا الحححديث وذاك الحححديث‬ ‫بأن الدليلين إذا وردا وكان أحدهما مصطحبًا للبراءة الصححلية‪،‬وكححان الخححر‬ ‫ل للذمة بحكم شرعي‪ ،‬فالواجب الخذ بمححا شححغل الذمححة بحكححم شححرعي‪،‬‬ ‫شاغ ً‬ ‫لن شغل الذمة تيقن بذلك فبراءتها مرة أخرى بعد أن صارت مشححغولة هححي‬ ‫بحاجة إلى دليل آخر يدل هذا الدليل دللة صريحة على أن تلححك الذمححة رفححع‬ ‫عنها ذلك الشغل الذي شغلت به بعد أن شغلت بححه‪ ،‬أمححا الحححديث الخححر فهححو‬ ‫اصطحاب للبراءة الصلية‪،‬كما عززوا ذلحك واستأنسحوا بتعزيحز ذلحك أيضحًا‬ ‫بأن الجنابة حدث أكبر والصححيام عبححادة بدنيحة خالصحة فكمححا اشحترط للصحيام‬ ‫الطهارة من الحيححض فكححذلك يشححترط لححه الطهححارة مححن الجنابححة‪ .‬وهكححذا نجححد‬ ‫الجتهادات الفقهية تحدور فححي مثححل هححذه المنعطفححات‪ ،‬بحيححث يسححتدل العلمححاء‬ ‫الذين يجتهدون بدللت من الكتاب العزيز ودللت من السححنة النبويححة علححى‬ ‫صاحبها أفضل الصلة والسلم‪.‬‬ ‫ل فححي‬ ‫هذا فإن جئنا إلى اهتمام الباضية بوحدة المة نجد أن ذلك أمرًا متوغ ً‬ ‫عقيدتهم‪ ،‬يحرصون عليه كل الحرص في العهود السابقة والعهححود اللحقححة‪،‬‬ ‫فعندما وقف أبو حمزة الشححاري فححي عححام مححائة وثلثيححن للهجححرة علححى منححبر‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسلم في المدينة المنورة وخطب خطبتححه الشححهيرة‬ ‫كان‪ ،‬مما قال في خطبه‪ " :‬الناس منا ونحن منهم إل ثلثة‪ :‬مشححركاً بححال‪ ،‬أو‬ ‫عابد وثن‪ ،‬أو كافرًا من أهل الكتاب أو إمامًا جائرًا"‪ ،‬فهم منا ونحن منهم لنححا‬

‫‪12‬‬

‫عليهم من الحقوق ما لهم علينا من الحقوق‪،‬إل هؤلء الثلثححة المشححرك الححذي‬ ‫يعبد الوثن والكافر من أهل الكتاب والمام الجائر؛لنه سبب لنحراف المة‬ ‫عن طريق الحق‪ ،‬لنه بجوره ل يقوم بما فرض ال تعححالى علححى الئمححة مححن‬ ‫المر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصاف والعدل‪،‬فهو يحكححم بغيححر مححا‬ ‫أنزل ال تعالى بين عباد ال‪ ،‬أما سائر الناس فهم منا ونحن منهم‪ ،‬وقححد كحرر‬ ‫مثل هذا القول المام السححالمي الححذي مححات فححي القححرن الثححالث عشححر للهجححرة‬ ‫عندما قال‪:‬‬ ‫ونحن ل نطالب العبادا‬ ‫فوق شهادتيهم اعتقادا‬ ‫فمن أتى بالجملتين‬ ‫قلنا إخواننا والحقوق قمنا‬ ‫إل إذا ما أظهروا ضل ً‬ ‫ل‬ ‫واعتقدوا في دينهم محال‬

‫‪13‬‬

‫قمنا نبين الصواب لهم‬ ‫ونحسبن ذلك من حقهم‬ ‫فما رأيته من التحرير‬ ‫في كتب التوحيد والتقرير‬ ‫حل مسائل ورد شبه‬ ‫جاء بها من ضل للمنتبه‬ ‫قمنا نردها ونبدي الحقا‬ ‫بجهدنا كي ل يضل الخلقا‬ ‫لو سكتوا عنا سكتنا عنهم‬ ‫ونكتفي منهم بأن يسلموا‬ ‫فنظرة المذهب إلى المسححلمين جمعيحًا أنهححم إخححوان مححا دامححوا ينطقححون‬ ‫بالشهادتين‪ ،‬اللهم إل إذا نقضوا هذا العتقاد بما يجب على المسححلمين منابححذة‬ ‫من اعتقده‪ ،‬فعندما يصدر من أحد إنكار شيء مما علم من الدين بالضححرورة‬ ‫كالمور التي تتعلق بال سبحانه وتعالى من صفات كعلمححه وقححدرته وإرادتححه‬ ‫وسمعه وبصره ونحو ذلك‪ ،‬أو مما يتعلق بحاليوم الخحر كحأن ينكحر الجنحة أو‬ ‫ينكر النار أو ينكر شيئًا مما علم من الدين بالضرورة‪،‬فإن ذلك بطبيعة الحال‬ ‫يفضي إلى قطع هذه الصلة لنه يكون ناقضًا لهذه الشحهادة الححتي جححاء بهححا إذ‬ ‫شهادة أن ل إله إل ال وأن محمدًا رسول ال ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬تقتضي‬ ‫الستمساك بكل ما أمر ال تعالى به وفي الوقت نفسححها تقتضححي تصححديق مححا‬ ‫نطححق بححه رسححول ال ح صححلى ال ح عليححه وسححلم ومححا بلغححه عححن ال ح سححبحانه‬ ‫وتعالى‪،‬وعندما يصحدر محن المسحلم محا يخحالف ذلحك يكحون قحد نبحذ إسحلمه‪،‬‬ ‫فعندما يكون المسلم بعد شهادته أن ل إله إل ال ح وشححهادة أن محمححدًا رسححول‬ ‫ال ‪--‬صلى ال عليه‪ -‬وسلم منكرًا ما علم مححن الححدين بالضححرورة لححم يبححق لححه‬ ‫إسلم في هذه الحالة‪ ،‬وإن كان في بادئ المر أتى بالشهادتين وكان أخحًا لنححا‬ ‫له ما لنا وعليه ما علينا من الحقوق‪:‬‬ ‫ونحن ل نطالب العبادا‬ ‫فوق شهادتهم اعتقادا‬ ‫فمن أتى بالجملتين قلنا‬ ‫إخواننا وبالحقوق قمنا‬ ‫وقد وجه أحد علمحاء الباضحية فحي شحمال إفريقيحا رسحالة إلحى المحام‬ ‫السالمي فححي عححام ألححف وثلثمححائة وسححتة وعشححرين للهجححرة ‪-‬أي مححا قبححل مححا‬ ‫يقارب من تسعين عام من الن‪ -‬وجه إليه رسالة يسأله فيها عما تعيشه المة‬ ‫السلمية من تفرق‪ ،‬أليس منشأ ذلك التعصب للمذاهب؟ ولئن كححان الجححواب‬

‫‪14‬‬

‫باليجاب‪ ،‬فإذن ما رأيكم فيمن يسعى إلى جمع هذه المذاهب والقضححاء علححى‬ ‫التعصب لها‪ ،‬وإذا قلتم بأنه محسن ‪-‬أي من دعا إلححى ذلححك كححان محسححنًا‪ -‬فمححا‬ ‫رأيكم في المكان اللئق بهذا المر؟ ومححا الححذي يسححتوجبه مححن النفقححات؟ ومححا‬ ‫الذي سيستغرقه من الزمان؟ فكان جوابه عن ذلححك "بأننححا نسححلم أن التعصححب‬ ‫للمذاهب هو منشأ هذا التفرق الذي تعيشه المة السححلمية ونقححول‪ :‬بححأن مححن‬ ‫دعا إلى وحدة هذه المة وعدم انتمائها إلى هذه المذاهب بحيث ل تنتمححي إل‬ ‫إلى السلم ول تعتمد إل على كتاب ال وسححنة رسححول الح صححلى الح عليححه‬ ‫وسلم نقول فيه بأنه محسن‪،‬وفي هذه الحالة يكون كححل واحححد محن النححاس يبحدأ‬ ‫ل في التجرد في النظر بحيث ل يكححون مسحتندًا فحي عملحه إل إلحى الكتححاب‬ ‫أو ً‬ ‫العزيز وإلى السححنة النبويححة علححى صححاحبها أفضححل الصححلة والتسححليم‪ ،‬وبهححذا‬ ‫يتلشى هذا التعصب شيئًا فشيئًا‪ ،‬وخيححر مكححان يرشححح لن يكححون فيححه القيححام‬ ‫بهذه الدعوة وجمع هذا الشتات هو مكة المكرمة حيححث يتجححه المسححلمون فححي‬ ‫صححلواتهم وفححي حجهححم‪ ،‬فححالبيت الحححرام الححذي هححو مهححوى أفئدة المححؤمنين‬ ‫ومستقبلهم في صلتهم‪ ،‬هو المكان المهيأ لن يجمع هذا الشتات ورحابه هي‬ ‫التي تسع الذين يتحدثون في هححذا المححر‪ ،‬والزمححان ل يمكححن أن يحححدد بفححترة‬ ‫معينة لن ذلك يختلف باختلف الجهححود الححتي تبححذل‪ ،‬ولئن اشححترك فححي ذلححك‬ ‫قادة المسلمين وحكامهم كححان ذلححك أدعححى إلححى التوفيححق وأدعححى إلححى النجححاح‬ ‫بحيث يتم هذا المر بسرعة أكبر بخلف ما إذا تملص الحكام من هذا المحر‬ ‫وهكذا نجد أن التفكير عند الباضية في جمع شححتات هححذه المححة وفححي وحححدة‬ ‫صفها وفي رأب صدعها أمحر مركحوز فححي طبحاعهم منحذ قحديم الزمححان وهحم‬ ‫يسعون إليه ويحرصون عليه كل الحرص‪ ،‬وبجانب ذلك نجد أيضاً التسححامح‬ ‫في فقههم‪ ،‬فعلى سبيل المثال هنالك فتوى لحد العلمححاء السححابقين فححي القححرن‬ ‫الثالث الهجري‪ ،‬وهو المام أبو علي موسى بن علي ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬مححن‬ ‫علماء إزكي وقد توفي في عام مائتين وواحححد وثلثيححن للهجححرة النبويححة ‪-‬أي‬ ‫في النصف الول من القرن الثالث الهجححري‪ -‬هنححاك فتححوى عنححه فححي المححرأة‬ ‫التي يتزوجها أحد من الرجال بدون إذن وليها‪ ،‬وهو يقول‪ :‬جاء في الحححديث‬ ‫عن النبي صلى ال عليه وسلم أن الزواج بدون ولي ل يصح‪ ،‬ولكن إن وقع‬ ‫الدخول بينهما لم أجرؤ علحى التفريححق بينهمحا‪ ،‬وقحد علححل العلمحاء هححذا الكلم‬ ‫عللوه بأنه نظر إلى إن الحنفية ل يشترطون الولي في زواج المرأة‪ ،‬فللمححرأة‬ ‫أن تتزوج عندهم بدون إذن وليها‪ ،‬لن وجود الولي وإذن الولي شرط كمححال‬ ‫ل شرط صحة عندهم‪ ،‬فنظرًا إلى هذا الجتهاد عند الحنفية رأى المححام أبححو‬ ‫علي موسى بن علي أن الرجل الذي يتزوج المرأة بدون وليهحا إن دخحل بهححا‬ ‫لم يفرق بينهما‪ ،‬وقد أخذ علماء عمان بهذا الرأي ردحًا من الزمن‪ ،‬فكانوا ل‬

‫‪15‬‬

‫يفرقون بين الرجل والمرأة إن تزوجها بدون إذن وليهححا إن دخححل بهححا‪ ،‬وأمححا‬ ‫قبل الدخول بها فيطلبون من الولي أن يوافق على إتمام هذا النكاح‪.‬‬ ‫وكذلك أيضًا نجد الباضية يعتمححدون فححي اجتهححاداتهم وفححي مطالعححاتهم وفححي‬ ‫قراءاتهم على كتب المذاهب الخرى‪ ،‬فنجححد أن المححام أبححا سححعيد محمححد بححن‬ ‫سححعيد الكححدمي‪ ،‬وهححو مححن علمححاء القححرن الربححع للهجححرة جححاء إلححى كتححاب‬ ‫"الشراف" للعلمة ابن المنذر النيسابوري فعلق عليه تعليقاً بحيث يورد مححا‬ ‫يقوله العلمة النيسابوري وما يذكره من أقوال علماء السلف في المسححألة‪،‬‬ ‫ثم بعد ذلك يبين المام أبو سعيد رأي المذهب الباضي من بيححن هححذه الراء‬ ‫على أّيهححا يعتمححد المححذهب الباضححي‪ ،‬كمححا نجححد أيضحًا مححن العلمححاء السححابقين‬ ‫العلمة ابن بركة الذي عاش في عصر ابححن سححعيد أيضحًا فححي القححرن الرابححع‬ ‫الهجري في كتابه "الجامع" يعتمد كثيرًا على كتب المذاهب المتعددة ويححورد‬ ‫أقوال المذاهب المتعددة في المسألة‪ ،‬بل نجححده أحيانحاً يخححالف رأي الباضححية‬ ‫جميعًا‪ ،‬ويركن إلى رأي طائفة من المذاهب السلمية الخرى‪ ،‬فعلى سححبيل‬ ‫المثال كان رأي ابن بركة في مسألة تزويج المححرأة بححدون إذن وليهححا مححترددًا‬ ‫بين رأي الحنفية ورأي الظاهرية‪ ،‬فهو تارة يميل إلى أن المرأة إن تزوجححت‬ ‫بدون إذن وليها ثبت زواجها ولو كانت بكرًا‪ ،‬وتارة يشترط الولي في البكححر‬ ‫دون الثيب‪ ،‬ونجده فحي اجتهحاداته وفحي آرائه يسحتند إلحى الدلحة نفسحها الحتي‬ ‫يستند إليها علماء المذاهب الخرى الذين يذهبون إلى هذا الرأي الذي ذهححب‬ ‫إليه‪،‬كما نجد أيضًا الموسحوعة المسحماة بحح"بيحان الشحرع"‪ ،‬و"بيحان الشحرع"‬ ‫كتاب جامع من اثنين وسبعين جححزءًا الححذي ألفححه العلمححة محمححد بححن إبراهيححم‬ ‫الكندي النزوي في القرن الخامس الهجري‪ ،‬وهححذه الموسححوعة تشححتمل علححى‬ ‫كثير من آراء المذاهب المتعددة فهو ينقل آراء فقهاء المصار الححتي أوردهححا‬ ‫العلمة النيسابوري في كتابه "الشراف" وينقل أيضًا آراء علمححاء المححذاهب‬ ‫الربعححة مححن كتبهححم الخححرى المتعححددة‪ ،‬بححل ينقححل أيضحًا آراء الشححيعة وآراء‬ ‫غيرهم من العلماء أحيانًا‪ ،‬وينقل آراء المعتزلة في كححثير محن المواقححف وفحي‬ ‫كثير من القضايا ويناقش هذه المسائل بالهدوء وبالتي هي أحسن‪.‬فالمهم بيححن‬ ‫المسلمين أن تمد جسححور الصححداقة والصححلة والخححاء فيمححا بينهححم وأن يحسححن‬ ‫بعضهم الظن ببعض‪ ،‬وأل يحمل بعضهم بعضاً على سوء الظن‪.‬‬ ‫ول ريب أن عدم الطلع على فقه مذهب ما قد يؤدي إلى تصديق أكححثر مححا‬ ‫ن المححذهب الباضححي‬ ‫يقال وما يثار من الشبه حول ذلك المذهب فنحن نجححد أ ّ‬ ‫نسب إليححه الكححثير والكححثير عنححد كتححاب المقححالت ممححا ل يعححرف عححن علمححاء‬ ‫ل نسب إلى الباضية أنهم يكفرون من خطححب فححي‬ ‫المذهب قط‪ ،‬فابن حزم مث ً‬ ‫عيد الفطر‪ ،‬مع أنهم أنفسهم يخطبون في يوم عيد الفطر وهححذه كتبهححم مملححؤة‬

‫‪16‬‬

‫بححذلك‪ ،‬وقححال عنهححم إنهححم يححرون الحححج فححي كححل شححهر مححن شححهور العححام فل‬ ‫يحصرونه في أشهر الحج‪ ،‬وقال أيضًا بأنهم يححرون أن النححار دار لححذة ونعيححم‬ ‫كالجنة‪ ،‬سبحان ال!!‪ ،‬من أين جاءت مثححل هححذه المقححالت وهحذه الفححتراءات‬ ‫من غير أن يمحصوا‪ ،‬مع أنهم بإمكانهم أن يتصلوا بأصحاب المححذهب الححذي‬ ‫يكتبون عنه وأن ينهلوا من كتبه‪ ،‬وكتب المذهب في العقيححدة والفقححه موجححودة‬ ‫من القرن الثاني الهجري‪ ،‬فمدونة أبي غانم ومسند المام الربيع بححن حححبيب‪،‬‬ ‫هذه أقدم الكتب من القرن الثاني الهجري‪ ،‬ول يوجد فيها مثل هذه الترهححات‪،‬‬ ‫فصلة عيد الفطر هي مشروعة كصلة عيد الضحححى وخطبححة عيححد الفطححر‬ ‫هي مشروعة كخطبة عيد الضحى ل فرق بينهما‪ ،‬والحج له ميقاته المعين‪،‬‬ ‫كيف وقد نص القرآن الكريم على ميقاته‪ ،‬كما نجد بعض الكاتبين يقولون إن‬ ‫الباضححية يقولححون بجححواز الجمححع بيححن المححرأة وعمتهححا والجمححع بيححن المححرأة‬ ‫وخالتها‪ ،‬مع أن المام الربيع بن حبيب نفسه في مسنده روى بسنده الصحيح‬ ‫عن النبي صلى ال عليه وسلم "ل تنكح المرأة على عمتهحا ول المحرأة علحى‬ ‫خالتها ل الصغرى على الكححبرى ول الكححبرى علححى الصححغرى"‪ ،‬وقححد حكححى‬ ‫علماء الباضية الجماع على ذلك أنه ل يجوز‪،‬كما نجححد مححن الكححاتبين الن‬ ‫من يقول بأن الباضية ل يقولون بالرجم‪،‬مع أن نصوص كتب الباضية في‬ ‫القرن الثالث الهجري إلى وقتنا هذا مطبقة على مشححروعية الرجححم‪،‬واليححدي‬ ‫الححتي رجمححت الزانححي المحصححن مححا تححزال موجححودة إلححى الن‪،‬فبعححض الححذين‬ ‫رجموا ما زالوا أحياء يوجدون فيما بيننححا إلححى الن‪ ،‬وهنححاك الكححثير والكححثير‬ ‫من الشبه التي تثار حول الباضية‪.‬‬ ‫ونحن نحمد ال على أن تبنت هذه الجامعة بتوجيهات مححن عاهححل هححذه البلد‬ ‫جللة الملك الحسين بن طلل المذاهب السلمية لجححل القضححاء علححى هححذه‬ ‫الحساسيات‪،‬ولجل القضاء على هذه الحواجز ولجل مد الجسححور للتعححارف‬ ‫والتفاهم والتعاون بين أبناء المدارس السلمية المتعددة‪،‬وأسأل ال ح سححبحانه‬ ‫وتعالى أن يجمححع الشححمل وأن يوحححد ‪-‬سححبحانه وتعححالى ‪ -‬الكلمححة وأن يححرأب‬ ‫الصدع‪ ،‬وأن يوفق الجميع للخذ بكتاب الح وسححنة رسححوله صححلى الح عليححه‬ ‫ل‪ ،‬وأن يححوفقهم‬ ‫وسلم‪ ،‬كما أسأله أن يرد المسلمين جميعًا إلى دينهححم ردًا جمي ً‬ ‫لما فيه خير دينهححم ودنيححاهم‪ ،‬وأن يحفححظ بيضححتهم‪ ،‬وأن يحفححظ وحححدتهم‪ ،‬إنححه‬ ‫سبحانه وتعالى على كل شيء قدير‪ ،‬وهو بالجابة جدير‪ ،‬نعحم المحولى ونعحم‬ ‫النصححير‪ ،‬وصححلى ال ح عليححه وسححلم علححى سححيدنا محمححد وعلححى آلححه وصحححبه‬ ‫أجمعين‪ ،‬وشكرًا لكم‪.‬‬ ‫والسلم عليكم ورحمة ال وبركاته‪.‬‬

17

‫‪18‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫محاضرة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي‬ ‫المفتي العام لسلطنة عمان‬ ‫‪(1‬‬ ‫"مناهج البحث العلمي عند العلماء المسلمين"‬ ‫(‬

‫الحمد ل رب العالمين‪ ،‬أحمده وأسححتعينه وأسححتهديه‪ ،‬وأعححوذ بححال مححن‬ ‫شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده ال فل مضل له ومن يضححلل فل‬ ‫هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن سححيدنا ونبينححا‬ ‫محمدًا عبده ورسوله‪ ،‬أرسله ال بالهدى ودين الحق ليظهره على الححدين كلححه‬ ‫ولو كره الكافرون‪ ،‬صلوات ال وسلمه عليححه وعلححى آلححه وصحححبه أجمعيححن‬ ‫وعلى تابعيه بإحسان إلى يوم الدين‪.‬‬ ‫أمححا بعححد‪ ،‬فححأحيي أسححاتذتنا الفضححلء‪ ،‬وأخححواني الطلبححة‪ ،‬وأخححواتي‬ ‫الطالبات‪ ،‬بتحية السلم‪ ،‬فالسلم عليكم ورحمة ال وبركاته‪ ،‬وإنها لفرصححة‬ ‫سعيدة أن التقي مرة أخرى في هذا المكان الطيب وعلى هذا المنبر الشححريف‬ ‫منبر العلم والمعرفة‪ ،‬وإن كان الموضححوع الححذي طلححب منححي أن أتحححدث فيححه‬ ‫موضوعًا أجدر بححي أن أسححتمع لغيححري مححن أن أتحححدث فيححه‪ ،‬لنححه موضححوع‬ ‫يتعلق بمنهج البحث العلمي عند علماء المسلمين‪ ،‬وهححذا المنهححج بحاجححة إلححى‬ ‫دراسة وافية‪ ،‬والدارسون المتخصصون هم أولى بالحديث ححول هحذا المحر‬ ‫مني‪ ،‬فإنني قبل كل شيء لم أقعد في مقعد الجامعة لستمع إلى درس علمححي‬ ‫مثل هذا الدرس وغيره‪ ،‬بل لم أدرس في مدرسة نظامية‪ ،‬وإنما تطفلت علححى‬ ‫العلم من المطالعات والتلقي من أفواه بعض المشايخ‪ ،‬ولنححه كححان ل بححد مححن‬ ‫الحديث حول هذا المر‪ ،‬فإنني أبدأ قبل كل شيء ببيان أهمية البيححان بالنسححبة‬ ‫إلى العلم‪ ،‬فإنه وعاء العلم والمعرفة‪ ،‬ومجال البحث والححوار ووسحيلة الفهحم‬ ‫والدراك‪ ،‬وقححد شححرف الح سححبحانه وتعححالى النسححان إذ قححال عححز مححن قححال‪:‬‬ ‫))الرحمن علم القححرآن‪ ،‬خلحق النسححان‪ ،‬علمحه البيحان(( وجعلحه المزيحة الححتي‬ ‫يستحق بسببها أن يكون خليفتحه فحي هحذه الرض‪ ،‬فحإن الح تعحالى ميحز هحذا‬ ‫النسان بهذه الموهبة ورفعه درجة فوق درجات الكائنات الخرى الموجودة‬ ‫في هذه الرض‪،‬بل بسبب هذه الموهبة جعل ال سبحانه وتعالى هذا النسان‬ ‫أولى بالضطلع بهذه المهمة من المل العلى‪ ،‬وقححد حبححاه بححأن شححرفه لححدى‬ ‫المل العلى عندما بين سبحانه وتعالى ميزة النسان إذ يسححتطيع أن يتعامححل‬ ‫مع الكائنات الخرى‪ ،‬وأن يتفاعل محع ظحروف الحيحاة بسحبب فهمحه لسحماء‬ ‫الشياء‪،‬كما جاء ذلك واضحًا في كتاب ال‪ ،‬عندما قص ال تعححالى نبححأ خلححق‬ ‫النسان إذ قال تعالى عز من قائل‪ )):‬وإذ قال ربك للملئكة إنححي جاعححل فححي‬ ‫)‪ (1‬ألقيت هذه المحاضرة في جامعة آل البيت بتاريخ ‪10/12/1994‬م‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫الرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيهححا‪ ،‬ويسححفك الححدماء ونحححن نسححبح‬ ‫بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مححا ل تعلمححون‪ ،‬وعلححم آدم السححماء كلهححا ثححم‬ ‫عرضهم على الملئكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلء إن كنتم صادقين‪ ،‬قححال يححا‬ ‫آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم قححال ألححم أقححل لكححم إنححي أعلححم غيححب السححماوات‬ ‫والرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون(( ولئن كان البيان من مزايا هححذا‬ ‫النسان بجانب المزية ‪-‬الكبرى وهي مزية العقل‪ ،‬فإن مححن آيححات ال ح تعححالى‬ ‫في الجنس البشري أن جعل اللسن متنوعة واللغات متعددة‪ ،‬وقد جعححل هححذه‬ ‫اللغات متفاوتة في استيعاب الحقائق بحسب ضيقها وسعتها‪ ،‬وقحد أرسحل الح‬ ‫سبحانه وتعالى الرسل إلى أقوامهم بألسححنتهم )) ومححا أرسححلنا مححن رسححول إل‬ ‫بلسححان قححومه ليححبين لهححم(( وعنححدما أراد ال ح أن يشححرف النسححانية بالرسححالة‬ ‫الخاتمة‪ ،‬اختار ال سبحانه وتعححالى الرسححول الححذي يحمححل هححذه الرسححالة مححن‬ ‫العنصر العربي‪ ،‬وجعل وعاء هذه الرسالة هذا اللسان العربححي المححبين‪ ،‬وقححد‬ ‫مححرت العربيححة قبححل بعثححة الرسححول صححلى الح عليححه وسححلم بمراحححل هححذبتها‬ ‫اللسن‪ ،‬فتطورت طورًا بعد طور حتى ارتقحت إلحى هحذا الوج الشحامخ محن‬ ‫أجل العداد لها حتى تكون هي الوعاء لهذه الرسالة التي ُيبعث بها نححبي ال ح‬ ‫محمد عليه وعلى آله وصحححبه أفضححل الصححلة والسححلم‪ ،‬فححأنزل الح تبححارك‬ ‫وتعالى كتابه العزيز بعد ما بلغت هححذا المسححتوى الرفيححع‪ ،‬وعنححدما بعححث الح‬ ‫سبحانه وتعالى رسوله محمححدًا صححلى الح عليححه وسححلم بهححذا القححرآن الكريححم‪،‬‬ ‫كانت جزيرة العرب تزخر بالعححدد الهححائل مححن فصحححائها سححواء الخطبححاء أو‬ ‫الشعراء‪ ،‬وقد تحداهم الحق عز وجححل أن يححأتوا بمثححل هححذا القححرآن فعجححزوا‪،‬‬ ‫وتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثلححه فعجححزوا‪ ،‬وتحححداهم أن يححأتوا بسححورة‬ ‫واحدة فقط من مثله فعجزوا‪ ،‬وما كانوا ليقفوا مكتوفي اليدي لو أنهححم كححانوا‬ ‫قادرين على مجاراة القرآن في بلغتحه‪ ،‬ولكحن بلغحة القحرآن فحوق مسحتوى‬ ‫بلغاتهم‪ ،‬وما كان يعجزهم أن يحضروا مئات البلغححاء أو آلف البلغححاء مححن‬ ‫أجل القيام بتأليف سورة واحدة من مثل قصار سور القحرآن‪ ،‬لحو كحانوا علحى‬ ‫ل مححن‬ ‫مثل ذلك قادرين‪ ،‬ولكن بجانب ذلك آثروا أن ينزلوا ميدان المقاتلححة بححد ً‬ ‫أن ينزلوا ميدان المساجلة‪ ،‬وذلك لن بلغة القرآن امتلكت ألبححابهم ودهشححت‬ ‫عقولهم وما كان إنزال القرآن بهذه اللغة‪ ،‬مححع أن القححرآن ليححس كتابحًا موجهحًا‬ ‫إلى العرب وحدهم‪ ،‬ولكنه موجه إلححى النسححانية بأسححرها‪ ،‬إل لن هححذه اللغححة‬ ‫هححي أشححمل اللغححات البشحرية بأسحرها‪ ،‬وقحد وصحل بعحض البحاحثين فحي هححذا‬ ‫العصر إلى أن هذه اللغة هي اللغة التي كان يتحدث بها أبححو البشححر آدم عليححه‬ ‫السلم‪ ،‬وأن اللغات الخحرى تولحدت محن هحذه اللغحة وبيحن الكلمحات الكحثيرة‬ ‫الموجودة في اللغات الخرى والكلمات العربية تقارب سائرها‪ ،‬والولححى أن‬

‫‪20‬‬

‫تكون وعاء لكلمه‪ ،‬والتي بعث بها عبده ورسوله صلى ال عليه وسلم بهححذا‬ ‫الذكر إلى العحالمين‪ ،‬وهحذا يعنحي أن هحذه اللغحة عنحدما نحزل الح بهحا القحرآن‬ ‫الكريم على قلب النبي المي محمد على آله أفضل الصلة والتسليم‪ ،‬انتقلححت‬ ‫من كونها لغة قومية إلى كونها لغة عالمية‪ ،‬ومن أجل ذلك‪ ،‬فححإنه يجححدر بكححل‬ ‫مسلم أيًا كان جنسه وكيفما كانت لغته التي نشأ عليها أن يحححرص علححى هححذه‬ ‫اللغة‪ ،‬وأن يغار عليها أكثر مما يغار على لغته القومية‪ ،‬فإن هححذه اللغححة هححي‬ ‫ت بأنه مححن العححار أن يكححون هححذا‬ ‫لغة دينه قبل كل شيء‪ ،‬وقبل وقت مضى قل ُ‬ ‫المسلم الذي شرفه ال سبحانه وتعالى بتوجيه الخطاب إليه أعرف بلغححة مححن‬ ‫استعمره منه باللغة الححتي خححاطبه بهححا ربححه وبلغححة نححبيه محمححد عليححه الصححلة‬ ‫والسلم‪ ،‬ونجد أن من غير العرب قد اعتزوا وافتخححروا بهححذا الشححرف الححذي‬ ‫ساقه ال تبارك وتعالى إليهم بأن هيأهم لن يدرسوا هذه اللغة الححتي اختارهححا‬ ‫ال تعالى حتى تكون وعاء لكلمه‪ ،‬حتى إننا نجد أن الزمخشححري العجمححي‬ ‫يفتتح كتححابه المفصححل بقححوله "الح أحمححد بححأن شححرفني أن جعلنححي مححن علمححاء‬ ‫العربية" وبما أن أصحاب النبي صلى الح عليححه وسححلم كححان جمهححورهم مححن‬ ‫العرب‪ ،‬وقليل من التحق بهم من غير العححرب‪ ،‬والححذين هححم مححن غيححر أصححل‬ ‫عربي كانوا أيضًا على معرفة بهذه اللغة‪ ،‬فإنه قد كان من اليسير أن يفهمححوا‬ ‫مقاصد التنزيل وأن يعرفوا مسالك التأويل‪ ،‬فلذلك كححانوا أعححرف النححاس بعححد‬ ‫نبيهم عليه أفضل الصلة والسلم بشرع ال تعالى وبطرق البحث ومنححاهجه‬ ‫فيما يتعلق بما أنزله الح تبححارك وتعححالى عليححه مححن وحححي‪ ،‬فهححم كححانوا عربحًا‬ ‫بالسلفية ولم يكونوا بحاجة إلححى دراسححة اللغححة العربيححة‪ ،‬كمححا أنهححم‪ ،‬بمححا أنهححم‬ ‫عاصححروا نححبيهم العظححم عليححه علححى آلححه وصحححبه أفضححل الصححلة والسححلم‬ ‫وعايشححوا نححزول الححوحي عليححه‪ ،‬كححانوا أيضححًا علححى خححبرة بطريقححة الفهححم‬ ‫والستنباط فكانوا ينزلون كل شيء منزلته من غير أن تكون عنححدهم قواعححد‬ ‫يرجعون إليها فححي فهححم هححذه النصححوص‪ ،‬فلححم يكونححوا يبحثححون فححي المبححاحث‬ ‫الصولية التي بحثها من بعدهم علماء أصول الفقه‪ ،‬ولكن كما كانوا مححوفقين‬ ‫في درس الخطاب من الناحية اللغوية كانوا أيضاً موفقين إلى فهم معانيه من‬ ‫الناحية الشرعية‪ ،‬فما كححانوا يبحثححون فححي مبححاحث الخححاص والعححام والمطلححق‬ ‫والقيد والمجمل والمبين‪ ،‬وإنما كانوا يكتفححون بمححا يفهمححون مححن مقاصححد هححذه‬ ‫النصوص‪ ،‬وال تبارك وتعالى ألهمهم الرشد‪ ،‬وكانوا ببركة إيمححانهم العميححق‬ ‫وصلتهم بالنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬في منزلة عالية من الفهم والدراك‪ ،‬ثم‬ ‫بعدها أخذ الزمن يتقادم ودخلت في السلم شعوب متعددة وأخذت الفصاحة‬ ‫والعربية تنحط عن ذروتها التي كانت عليها من قبل‪ ،‬فكححانت الحاجححة ماسححة‬ ‫إلى دراسة العربية من ناحية‪ ،‬وإلى دراسة هذه القواعد التي يرجع إليها مححن‬

‫‪21‬‬

‫البحث والستنباط من ناحية أخرى‪ ،‬فنشححأت علححوم العربيححة علححى اختلفهححا‪،‬‬ ‫نشأ علم النحو والتصححريف وعلححم البلغححة‪ ،‬ونشححأ كححذلك علححم أصححول الفقححه‪،‬‬ ‫وكان الباحث في مجال الفقه السلمي والعلوم السلمية بحاجة ماسححة إلححى‬ ‫اسححتجماع هححذه العلححوم المختلفححة مهمححا كححان أصححلهم سححواء فححي ذلححك العححرب‬ ‫والعجم‪ ،‬ولم يأل العلمححاء البححاحثون جهححدًا فححي بحححث هححذه العلححوم واسححتظهار‬ ‫فنونها والتأليف فيها خدمة لكتاب ال وخدمة لسنة الرسول محمد عليه وعلى‬ ‫آلححه وصحححبه أفضححل الصححلة والسححلم‪ ،‬خدمححة لهححذه الححدعوة الححتي بعححث بهححا‬ ‫الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فإذا بالمؤلفات تكثر في هذا المجال‪ ،‬فنشأ كما‬ ‫قلت علم أصول الفقه ونشأت علوم العربية‪ ،‬وكان الباحث فيما يتعلق بدللححة‬ ‫الشرعية على الحكام الشرعية بحاجة إلى أن يدرس هححذه العلححوم المختلفححة‪،‬‬ ‫إذ دون دراستها ل يمكن أن يحصل على طائل‪ ،‬فإن غاية ما يتوصل إليه إن‬ ‫لم يدرس هذه العلوم أن ينقل مححا سححمع فقححط‪ ،‬مححن غيححر أن يححدرك أبعححاد هححذه‬ ‫الححدللت الشححرعية الححتي تسححتفاد مححن هححذه الدلححة الشححرعية‪ ،‬ولححذلك حححرص‬ ‫العلماء المحققون على الربط بين الفروع والصححول وبيححن الدلححة والحكححام‬ ‫ليصل النسان إلى فهم الحكم الشرعي عن وعححي تححاٍم وإدراك ثححابت‪ ،‬فهنححاك‬ ‫القواعد العديدة التي وضعها الصوليون فيما يتعلق بالدلة الشرعية والجمع‬ ‫بينهححا‪ ،‬هححذه القواعححد ل بححد مححن دراسححتها بجححانب دراسححة ثبححوت النصححوص‬ ‫الشرعية عندما تكون هذه النصوص غيححر الكتححاب‪ ،‬أي بجححانب دراسححة علححم‬ ‫الروايات‪ ،‬فمن هذه القواعد من الشعوب الخرى من اعتنى بهذه اللغححة لغححة‬ ‫القرآن الكريم ولغة النبي محمد صلى ال عليه وسلم أكثر من عناية العححرب‪،‬‬ ‫فالححذين بحثححوا فنححون هححذه اللغححة ودرسححوا علومهححا وحرصححوا علححى تحصححيل‬ ‫اشتقاقاتها‪ ،‬معظمهم كانوا مححن غيححر العححرب‪ ،‬كمححا هححو معلححوم رّد العححام إلححى‬ ‫الخاص‪ ،‬والمطلق إلى المقيد‪ ،‬والمجمل إلى المبين‪ ،‬ثم النظر كحذلك فححي فهحم‬ ‫الدللت‪ ،‬فاللفظ كما يقول علماء الصول يدل على النظم‪ ،‬إما بعبارته وإمححا‬ ‫بإشارته وإما بدللته واقتضائه‪ ،‬وقد حرصوا كل الحرص على إيضاح ذلححك‬ ‫كله للطلبة حتى يكون هؤلء الطلبة على بينححة مححن أمرهححم‪ ،‬وُألفححت فححي ذلححك‬ ‫المؤلفات الكثيرة‪ ،‬ونحن عندما نرجع إلى استنباطات الحكام الشححرعية نجححد‬ ‫أن العلماء كانوا في منتهى الدقة في مراعاة هذه الصول التي عّولححوا عليهححا‬ ‫بجانب مراعاتهم أيضًا لدللت اللغة العربية فعندما يقع الحوار والنقاش بين‬ ‫العلماء أنفسهم في القضايا الخلفية التي ل يجمححع فيهححا علححى رأي يرجعححون‬ ‫إلى هذا التقعيد الذي عولوا عليه‪ ،‬وإن كانت هناك بعححض القواعححد وقححع فيهححا‬ ‫الختلف بين أهل العلم‪ ،‬ولكن ذلك ل يضير ألئك الباحثين في هذه المسححائل‬ ‫الفرعيححة‪ ،‬فححإن غححالب العلمححاء يفّرعححون عححن أصححولهم الححتي اعتمححدوا عليهححا‬

‫‪22‬‬

‫وعّولوا عليها مححع اختلف مححذاهبهم‪ ،‬وإن كححانوا أحيانحاً يخرجححون عححن هححذه‬ ‫القواعد‪ ،‬بحيث نجد مذهبًا ما يفّرع على التأصل الذي عنححد المححذهب الخححر‪،‬‬ ‫ومثال ذلك هذه القصة الححتي يحكيهححا العلمححة ابححن العربححي فححي كتححابه أحكححام‬ ‫القرآن‪ ،‬وقد ذكرها عنه أيضًا القرطبي في تفسححيره الجححامع لحكححام القححرآن‪،‬‬ ‫والعلمة ابن عاشور في تفسيره المسمى بححالتحرير والتنححوير‪ ،‬فالعلمححة ابححن‬ ‫ل فححي المصححار‪ ،‬وكححان كححثيرًا مححا يسححجل مححا يسححمعه ومححا‬ ‫العربي كان جححوا ً‬ ‫يحضره من محاورات بين العلمحاء كمحا يسحجل أيضحًا مححاوراته بنفسحه محع‬ ‫العلماء في مؤلفاته‪ ،‬فقد ذكر في كتابه أحكام القرآن قصححة وقعححت لححه بححالبيت‬ ‫المقدس‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫كنححت يوم حًا بححالبيت المقححدس طهححره ال ح بمدرسححة أبححي عقبححة الحنفححي‬ ‫والقاضي الزنجاني ُيلقي علينا الدرس في يححوم الجمعححة فبينححا نحححن كححذلك‪ ،‬إذ‬ ‫ظهر علينا رجل بهي المنظر عليه أطمار‪ ،‬فسلم تسليم العلمححاء وتصححدر فححي‬ ‫صدر المجلس بمدارع الرعاع‪ ،‬فقال القاضي َمْز السححيد؟ فقححال‪ :‬رجححل سححلبه‬ ‫الشطار أمس‪ ،‬وأنا من أهل صاغان مححن طلبححة العلححم ومقصححدي هححذا الحححرم‬ ‫المقدس‪ .‬فقال‪ :‬سححلوه؟ علححى عححادتهم فححي إكححرام العلمححاء بالمبححادرة بالسححؤال‪،‬‬ ‫فوقعت القرعة على مسألة الكافر إذا لجأ إلى الحرم هل يقتل؟ فأجاب بأنه ل‬ ‫طولب بالدليل‪ ،‬فقال الدليل قوله تعححالى‪)) :‬ول ُتقححاتلوهم عنححد المسححجد‬ ‫ُيقتل‪ ،‬ف ُ‬ ‫الحرام حتى ُيقاتلوكم فيه(( فالية فيها قراءتان‪ ،‬الولححى )ل تقححاتلوهم( وهححي‬ ‫نص في الموضوع‪ ،‬والثانية )ل تقاتلوهم( وهي دالة علححى النهححي عححن القتححل‬ ‫لن المقاتلة التي هي سبب القتل‪ ،‬ولئن امتنع السبب امتنع المسبب مححن بححاب‬ ‫أولى‪ ،‬فقال القاضي منتصرًا لمذهب مالك والشافعي وإن لم يقر رأيهما‪ ،‬هذه‬ ‫الية منسوخة بقوله تعالى‪)) :‬فححإذا انسححلخ الشححهر الحححرم فححاقتلوا المشححركين‬ ‫حيث وجدتموهم(( فأجاب هذا ل يليق بمنصب القاضي مع جللة علمه‪ ،‬فإن‬ ‫الية التي احتججت بها خاصة‪ ،‬والية التي اعترضت بها عامححة‪ ،‬والخححاص‬ ‫ل ينسخه العام‪ ،‬فبهت القاضي من سرعة جوابه‪ ،‬وهذا من غريب الكلم‪.‬‬ ‫ل عند الحنفية من ناحية حكم العححام‬ ‫فنحن عندما ننظر إلى المشهور مث ً‬ ‫نجد أن المشهور عندهم أنه قطعححي الدللحة‪ ،‬ولحذلك ينسحخ الخحاص إن تححأخر‬ ‫عنه‪ ،‬بينما الجمهور يرون أن الخاص هو قطعححي الدللححة وأن العححام ظنيهححا‪-‬‬ ‫وإن كان قطعي المتن‪ ،-‬وعلى هذا فإن تأخر العام على الخاص فإن الخاص‬ ‫يقضي على عمومه ول يفيد تأخيره شيئًا فححي جعلححه ناسححخاً لتلححك النصححوص‬ ‫بذلك الدليل الخاص‪،‬ولكن في هذه المسححألة نجححد الحنفيححة الححذين يمنعححون مححن‬ ‫المقاتلة في المسجد الحرام ويمنعون أيضًا من قتل من وجب عليهم القتححل إن‬ ‫لجححأوا إلححى المسححجد الحححرام‪،‬فرعححوا علححى أصححل غيححر الصححل الشححائع‬

‫‪23‬‬

‫عندهم‪،‬ففرعوا على أصل معتمد عند الجمهور‪،‬وهو كون العام ظني الدللححة‬ ‫والخاص قطعيها فيقدم الخاص على العام‪،‬سواء كان الخاص متأخرًا أو كان‬ ‫العام متأخرًا‪،‬والشافعية والمالكية أصولهم تقتضي بأن الخاص يجححب تقححديمه‬ ‫سواء تقدم أو تأخر‪ ،‬ولكنهم مع ذلك ذهبوا إلى النسخ في هذا الحكححم‪ ،‬وقححالوا‬ ‫بأن قوله تعححالى‪)) :‬ول تقححاتلوهم عنححد المسححجد الحححرام حححتى يقححاتلوكم فيححه((‬ ‫منسححوخ بآيححة التوبححة ))فححإذا انسححلخ الشححهر الحححرم فححاقتلوا المشححركين حيححث‬ ‫وجدتموهم(( ومما يعجب منه أيضًا‪ ،‬والشيء بالشيء يذكر‪،‬أن ترى العلمة‬ ‫الكبير المام محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره التحريححر والتنححوير عنححدما‬ ‫تعرض لهذه المسألة وحاول أن ينتصر للرأي الذي ذهبت إليحه المالكيحة قحال‬ ‫ل عجيبًا‪،‬قال بأن هذا الذي ذكححره الصححاغاني فححي رده علححى القاضححي أبححي‬ ‫قو ً‬ ‫عقبة الحنفي في هذا النقاش والحوار‪ ،‬ليس مسّلما فإن العححام يمنححع مححن نسححخ‬ ‫الخاص إن لم يسبق العمل بالخاص‪،‬أما بعد العمل بالخاص‪،‬فححإنه يعحّد ناسحخًا‬ ‫في هذه الحالة والبيان يكون بأشياء‪ ،‬فالبيان يكون تحارة بالعقححل ويكحون تححارة‬ ‫بالنص‪،‬والنص إما أن يكون كتابًا أو سنة والجماع أيضًا يححأتي بالبيححان‪ ،‬لن‬ ‫الجماع ل بححد مححن أن يعتمححد علححى دليححل‪ ،‬يقححول المححام السححالمي فححي شححمس‬ ‫الصول‪:‬‬ ‫وقد يجي البيان بالمعقحول‬ ‫وقد يجيء من جانب المنقو ِ‬ ‫ل‬ ‫يكون بالكتاب والسنة من‬ ‫قول وفعحل وبإجمحاع ُزكن‬ ‫فالبيان بالعقل يأتي غالبًا فيما يتعلق بالحتجححاج علححى المشححركين‪،‬فححإن‬ ‫غالب اليات التي تتعلق بالعقيدة وتتعلق بإثبات وحدانية ال سبحانه وتعححالى‬ ‫يبينها العقل مثال ذلك قوله تعالى‪)) :‬أفي ال شك فاطر السموات والرض((‬ ‫فإن العقل البشري يحيل أيما إحالة أن يكون شيء ما يتكون بنفسه تلقائيًا من‬ ‫غير أن يكون أحد صنعه‪ ،‬ولئن كان ذلك فيما كانت مادته الصلية موجودة‪،‬‬ ‫فكيف بما كان عدمًا‪ ،‬مباشرة‪ ،‬فإن ما كان عدمًا أبعححد فححي السححتحالة مححن أن‬ ‫يمكن بحال من الحوال أن يتكون بنفسه فيخرج من العدم إلى الوجود هكذا‪،‬‬ ‫كذلك من أمثلة ذلك قوله تبارك وتعالى في كتححابه‪)) :‬لححو كححان فيهمححا آلهححة إل‬ ‫ال لفسدتا(( فإن الية الكريمة تحدثت عن الفساد في هذا العالم لححو كححان فيححه‬ ‫آلهة غير ال‪ ،‬لم توضح الية كيف يكون هذا الفسححاد‪ ،‬ولكححن العقححل البشححري‬ ‫يهتدي إلى ذلك‪ ،‬فإن وحدة النظام هذا العالم حتى صار بأسره وحدة متكاملححة‬ ‫كل جزء منه مكمححل لبقيحة الجححزاء وهححو فحي تناسحقه العجيححب يمثححل الشحيء‬ ‫المتكامل من كل ناحية‪ ،‬يستحيل أن يكون ناشئاً عححن أكححثر مححن إرادة واحححدة‬

‫‪24‬‬

‫ولو كان هنالك العديد من اللهة لكان لكل واحد منهم إرادة مستقلة‪ ،‬وعنححدما‬ ‫يستقل هذا بإرادته ويستقل ذلك بإرادته‪ ،‬ل بد من التعارض والختلف‪ ،‬ول‬ ‫يمكن مححع ذلححك أن ينسححجم هححذا العححالم هححذا النسححجام العجيححب ويتناسححق هححذا‬ ‫التناسق الغريب‪ ،‬ولكن هذا التناسق دليل على أن هذا العالم بأسره ل يصححدر‬ ‫إل عن إرادة واحدة‪ ،‬ومكون واحد‪ ،‬وهو خالق كل شيء ل آله إل هححو عليححم‬ ‫وعلى كل شيء قدير‪ ،‬وكذلك اليات التي فححي سححورة النمححل وهححي قححول الح‬ ‫تعالى عز وجل‪:‬‬ ‫)) قل الحمد ل وسلم على عباده الذين اصطفى ال خيرًا أما يشركون أمححن‬ ‫خالق السموات والرض وأنزل لكم من السححماء مححاًء فأنبتنححا بححه حححدائق ذات‬ ‫بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع ال بل هم قوم يعدلون أمححن جعححل‬ ‫الرض قرارًا وجعل خللها أنهارًا وجعل لها رواسي وجعححل بيححن البحريححن‬ ‫حاجزًا أإلحه مححع الح بححل أكحثرهم ل يعلمححون أمححن يجيحب المضحطر إذا دعححاه‬ ‫ل مححا تححذكرون‪ ،‬أمححن‬ ‫ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الرض أإله مححع الح قلي ً‬ ‫ى بيححن يححدي رحمتححه‬ ‫يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح ُبشححر ً‬ ‫أإله مع ال تعالى ال عما يشركون‪ ،‬أمن يبدأ الخلحق ثحم يعيحده ومحن يرزفكحم‬ ‫من السماء والرض أإله مع ال قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين((‪.‬‬ ‫فإن هذه اليات يجلي معانيها العقل‪،‬فال تبححارك وتعححالى يخححاطب بهححا‬ ‫قومحًا يعقلححون وقومحًا يعلمححون وقومحًا يفقهححون فتنجلححي معانيهححا لهححذه العقححول‬ ‫والذين ل يتواصلون بها إلى الهداية إنما غفلوا عقولهم وختموا على ألبححابهم‪،‬‬ ‫فلذلك انطمست هذه العقول فلم تدرك هذه الهداية‪ ،‬وإل فإن هذه هدايتها بينححة‬ ‫وحجتها قائمة كذلك ما نجححده مححن احتجححاج فححي كتححابه سححبحانه وتعححالى علححى‬ ‫الذين ينكرون البعث‪ ،‬فإن ال عز وجل يخاطب بذلك عقول البشر ))يححا أيهححا‬ ‫الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقنححاكم مححن تححراب ثححم مححن نطفححة ثححم‬ ‫مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الرحام ما نشاء إلححى أجححل ثححم‬ ‫ل ثم لتبلغوا أشدكم‪ ،‬ومنكم من يرد إلى أرذل العمححر لكححي ل يعلححم‬ ‫نخركم طف ً‬ ‫من بعد علم شيئًا‪ ،‬وترى الرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت‬ ‫وأنبتت من كل زوج بهيج‪ ،‬ذلك فأن ال هو الحق‪ ،‬وأنه ُيحححي المححوتى‪ ،‬وأنححه‬ ‫على كل شيء قدير‪ ،‬وأن الساعة آتية ل ريب فيهححا‪ ،‬وأن الح يبعححث محن فححي‬ ‫القبور(( ومثله قوله عز وجل‪)) :‬أولم يرى النسان أنا خلقناه من نطفححة فححإذا‬ ‫ل ونسححي خلقححه قححال مححن يحححي العظححام وهححي‬ ‫هو خصيم مبين وضرب لنا مث ً‬ ‫رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من‬ ‫الشجر الخضححر نححارًا فححإذا أنتححم منححه توقححدون أوليححس الححذي خلححق السححموات‬ ‫والرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلق العليم(( ثم هناك أيضًا‬

‫‪25‬‬

‫ما هو معلوم من أن كثيرًا من الدلة الشرعية جححاءت مجملححة وفصححلتها أدلححة‬ ‫أخرى‪ ،‬فأحيانًا يكون البيان بالكتاب العزيز‪ ،‬وأحيانًا يكون هذا البيان بالسححنة‬ ‫النبوية القوليححة والفعليححة‪ ،‬وأحيانحًا يكححون البيححان بالجمححاع فمححن أمثلححة البيححان‬ ‫بالكتاب العزيز عندما قال ال تعالى‪ )) :‬إل ما يتلى عليكم(( بّين بعد ذلك مححا‬ ‫حرمت عليكم الميتحة ولححم الخنزيحر ومحا‬ ‫حرم علينا مما يتلى علينا بقوله‪ُ )) :‬‬ ‫أهل لغير ال به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحححة‪ ،‬ومححا أكححل السححبع‬ ‫إل ما ذكيتم‪ ،‬وما ذبح علححى النصححب‪ ،‬وأن تستقسححموا بححالزلم ذلكححم فسححق((‬ ‫والدلة المجملة في القرآن والتي بينتها السنة النبويححة علححى صححاحبها أفضححل‬ ‫الصلة والسلم كثيرة جدًا‪ ،‬فركعات الصلة وكيفية الصححلة وأحكححام الزكححاة‬ ‫ومقاديرها ونصابها كل ذلك مما يعلححم بالسححنة النبويححة‪ ،‬فجححاءت السححنة مبينححة‬ ‫لجمال الكتاب العزيز‪ ،‬ولئن كان النسان في مثل هذه الشححياء بحاجححة إلححى‬ ‫معرفة هذه القواعححد الصححولية ليسححتقرئ بهححا دللت الدلححة الشححرعية علححى‬ ‫الحكام الشرعية‪ ،‬فإنه أيضًا ل يستغني عححن اللغححة العربيححة لن الح سححبحانه‬ ‫وتعالى جعلها وعاء لكتابه ولسنة نبيه محمد صلى ال عليححه وسححلم‪ ،‬فححالقرآن‬ ‫أنزله ال بلسان عربي مبين والسنة النبوية أيضًا كانت بلسحان عربحي محبين‪،‬‬ ‫فل بد للدارس في الكتاب والسنة من أن يدرس قواعد اللغحة العربيحة‪ ،‬ويتقحن‬ ‫هذه اللغة العربية حتى يتمكن من استخراج الحكام الشرعية من هذه الدلة‪،‬‬ ‫فقد يكون هناك خلف بين العلماء في مسححألة مححا ويكححون هححذا الخلف مبنيحًا‬ ‫على اختلف فيما يتعلق باللغة العربية‪ ،‬أو اختلف المفهوم فحي حمححل الكلم‬ ‫على محامله‪ ،‬ومن أمثلة ذلك خلف العلماء الححذي وقححع فححي الذبيحححة الححتي ل‬ ‫يذكر عليها اسم ال‪ ،‬فإن العلماء سلفًا وخلفًا اختلفوا في هذه المسححألة اختلف حًا‬ ‫كثيرًا منهم من قال بأنه تحل على الطلق‪ ،‬ومنهم من قال بأنها تحححرم علححى‬ ‫الطلق‪ ،‬ومنهم من قال بأنها تحل إن كان هذا الحترك لحذكر اسحم الح تعحالى‬ ‫نسيانًا وتحرم إن كححان هححذا الححترك متعمححدًا‪ ،‬ومنهححم مححن قححال إن كححان الححترك‬ ‫استخفافًا باسم ال سبحانه وتعالى فتحرم‪ ،‬وإن لم يكن استخفافًا باسححم ال ح فل‬ ‫تحرم‪ ،‬ومنهم من قال بأنه إن كان هذا الترك لجححل مراعححاة أن الذبححح إيلم‪،‬‬ ‫واليلم يتنافى مع ذكر اسم ال ح فل تحححرم‪ ،‬وإن كححانت بخلف ذلححك تحححرم‪،‬‬ ‫هذه القوال موجودة عند فقهاء المة‪ ،‬ولكن إلى ما يرجع هذا الختلف مححع‬ ‫هذا النص الذي نقرؤه وهو قول ال ح سححبحانه وتعححالى‪)) :‬ول تححأكلوا ممححا لححم‬ ‫يذكر اسم ال عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجححادلوكم‬ ‫وإن أطعتموهم إنكم لمشركون(( فال تعالى يقول‪)) :‬ول تأكلوا مما لحم يحذكر‬ ‫اسم ال عليه(( هذه آية دالة بمنطوقها على النهي عن الكل مما لم يذكر اسم‬ ‫ال عليه‪ ،‬ودالة بمفهومها على إباحة أكل ما ذكر اسححم الح عليحه‪،‬وهنححاك آيحة‬

‫‪26‬‬

‫أخرى تدل عكس هذه الدللة‪،‬أي تدل بمنطوقها على إباحة أكل ما ذكححر اسححم‬ ‫ال عليه وتدل بمفهومها على النهي عن أكل ما لم يذكر اسم ال عليه فدللححة‬ ‫منطوق كل واحدة من اليتين تعتضد بدللة مفهوم الية الخرى وتلك اليححة‬ ‫الخرى هي قول ال سبحانه وتعالى‪)) :‬فكلوا مما ذكر اسم ال عليه(( فكيف‬ ‫مع هذا يقع هذا الختلف؟‬ ‫فبعض العلماء رجع فيه إلى اختلف دللة حرف الواو فححي قححوله عحز‬ ‫وجل ))وإنه لفسق((‪ ،‬ذلك لن الواو كما تأتي عاطفححة تححأتي للحححال‪ ،‬والحححال‬ ‫تكون مقيدة‪ ،‬مع أن طائفة من العلماء رد الخلف أيضًا في هذه المسألة إلححى‬ ‫خلف في قاعدة أصولية‪ ،‬والقاعدة الصولية هي هل مرور الحكم العام أثر‬ ‫سبب خاص يكون خاصًا بذلك السبب؟ أو يكححون عام حاً يشححمله وغيححره‪ ،‬فححإن‬ ‫الجمهور على أن الحكم العححام ينكححر علححى عمححومه ولححو ورد لسححبب خححاص‪،‬‬ ‫ومعنى قوله ل غيره بخصوص المسبب مع حضور له‪ ،‬وقيححل لنححه يراعححي‬ ‫هذا السبب الخاص وهو قول القل‪ ،‬وهؤلء الذين نظححروا إلححى هححذه القاعححدة‬ ‫قالوا بأن هذه الية الكريمة نزلت بسبب خاص‪ ،‬وهو أن المشححركين احتجححوا‬ ‫على المسلمين بقولهم أنأكل ما قتلنا ول نأكل ما قتل ال‪ ،‬فححأنزل الح سححبحانه‬ ‫وتعالى‪)) :‬ول تأكلوا مما لم يذكر اسم ال عليه‪ ،‬وإنححه لفسححق‪ ،‬وإن الشححياطين‬ ‫ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم(( أي في مثل هذا الكلم ))وإن أطعتموهم((‬ ‫أي في استحلل هذه الميتة التي حرمها ال ))إنكم لمشركون((‪.‬‬ ‫فبعض العلماء حملوا هذه الية على عمومها فقالوا إن كل ما لم يححذكر‬ ‫اسم ال عليه يحرم بسبب هذه الدللة ومنهم من قالوا بأن ذلك يحمل على مححا‬ ‫ترك ذكر اسم ال عليه لنه مات حتف أنفه‪ ،‬أّما الححذين نظححروا إلححى القاعححدة‪،‬‬ ‫نظروا إلى ناحية العربية في اليححة الكريمححة‪ ،‬فححإنهم نظححروا إلححى الححواو‪ ،‬هححل‬ ‫ُتحمل الواو على العطف أو ُتحمل على الححال‪ ،‬فالحذين قحالوا بأنهحا للعطحف‪،‬‬ ‫قالوا بأن هذه الية الكريمة فيها الدللة الواضحة الصريحة على النهححي عححن‬ ‫أكل ما لم يذكر اسم ال عليه والنهي يحمل على التحريم ما لححم يصححرفه عححن‬ ‫ذلك قرينة‪ ،‬أمححا إن صححرفته قرينححة فنعححم‪ ،‬ولكححن ل قرينححة هححا هانححا تصححرفه‪،‬‬ ‫والذين قالوا بأن الواو للحال‪ ،‬قالوا بأن القرينححة هنححا موجححودة‪ ،‬وهححي امتنححاع‬ ‫عطف الخبر على النشاء لن قوله تعالى‪)) :‬ل تأكلوا(( إنشاء وقوله ))وإنه‬ ‫لفسححق(( خححبر‪ ،‬ول يعطححف الخححبر علححى النشححاء‪ ،‬وهححذه المسححألة أي مسححألة‬ ‫عطف الخبر على النشاء أو العكس مختلف فيها بين أئمة العربية فمنهم من‬ ‫قال بأن الخبر يجوز عطفه على النشاء‪ ،‬والنشاء يجوز عطفه على الخبر‪،‬‬ ‫ومن هؤلء الذين ذهبوا هذا المذهب‪ ،‬العلمة أبو حيان الندلسي في تفسيره‬ ‫البحر المحيط وانتصر لححذلك بشححواهد عححدة‪ ،‬أظححن أنححه ذكححر لححذلك نحححو سححتة‬

‫‪27‬‬

‫شواهد‪ ،‬وقد تعقب كلمه المححام ابححن هشححام فححي كتححابه مغنححي اللححبيب‪ ،‬ولكححن‬ ‫الدلة التي تدل على جواز عطف الخبر على النشاء والعكس‪ ،‬متححوفرة فححي‬ ‫كتاب ال تعالى‪ ،‬فإنا لححو قلنححا أن قححوله سححبحانه‪)) :‬وإنححه لفسححق(( حححال أي ل‬ ‫تأكلوا مما لم يذكر اسم ال عليه حال كححونه فسححقًا‪ ،‬والفسححق بينتححه أي أخححرى‬ ‫وهي نحو قوله تعالى ))أو فسقًا أهل لغير ال به(( لو قلنححا ذلححك فمححاذا عسححى‬ ‫أن نقول في قوله تعالى‪)) :‬وإن الشححياطين ليوحححون إلححى أوليححائهم ليجححادلوكم‬ ‫وإن أطعتموهم إنكم لمشركون(( هل هذا أيضاً تقييد للنهي؟‪.‬‬ ‫فإنه ل بد من أن يكون معطوفًا على الجملححة الححتي سححبقت‪ ،‬فححإن كححانت‬ ‫الجملة السابقة حالية‪ ،‬فالجملة التي عطفت على الجملححة الحاليححة ل بححد أيض حًا‬ ‫من أن تكون جملة حالية و على كل فالخلف بين العلماء في جواز الكل أو‬ ‫غير الجواز‪ ،‬بناه كثير منهم على هححذا الختلف فححي الححواو هنححا‪ ،‬هححل تكححون‬ ‫هذه الواو عاطفة؟‪ ،‬لن الصل في الححواو أن تكححون عاطفححة ول يخححرج عححن‬ ‫هذا الصل إل بدليل وحمل الواو على الحال مجاز هنا‪ ،‬لن المعطوف عليه‬ ‫إنشاء والمعطوف خبر والخبر ل يعطف على النشححاء بنححاء علححى رأي هححذه‬ ‫الطائفة الكبيرة من أهل العلم‪ ،‬على أننا نقول لو قلنا بعدم جواز عطف الخبر‬ ‫على النشاء وسلمنا بهذه القاعدة المشهورة عند طائفة كبيرة مححن أهححل العلححم‬ ‫فإن هذا الخبر هنا في قوة النشاء لنه جاء تأكيدًا لهذا النشححاء‪ ،‬فححال تعححالى‬ ‫بعدما أخبر عن هذا النهي عن أكل مححا لححم يححذكر اسححم الح عليححه عححززه بهححذا‬ ‫الخبر‪ ،‬ومثل ذلك كمثل قوله تعالى‪)) :‬ول تقبلوا لهم شححهادة أبححدًا وأولئك هححم‬ ‫الفاسقون(( فإن قوله أولئك هم الفاسقون جححاء تعزيححزًا لهححذا الحكححم النشححائي‬ ‫الذي ذكر ال تعالى هنا‪.‬‬ ‫ومححن أمثلححة بحححوثهم العلميححة الفقيهححة المبنيححة علححى اختلف وجهححات‬ ‫نظرهم في بعض الشياء التي تتعلق بعلم العربية خلفهم فححي قححوله سححبحانه‬ ‫وتعححالى‪)) :‬فامسحححوا بوجححوهكم وأيححديكم منححه(( فححإن "مححن" كححثيرًا مححا تححأتي‬ ‫لبتححداء الغايححة وتححأتي كححثيرًا أيضحًا للتبعيححض‪ ،‬وبنححاء علححى ذلححك‪ ،‬بنححاء علححى‬ ‫اختلف وجهات النظر في حمل مححن هححذه هححل تحمححل علححى ابتححداء الغايححة أو‬ ‫تحمل على التبعيض‪ .‬اختلف العلماء في جواز استعمال ما ل يلصق باليححدين‬ ‫للتيمم‪ ،‬وذلك كالحصى ونحوه أي التيمم بالحصحى والسحبخة وسحائر الشحياء‬ ‫التي ل تلتصق باليدين‪ ،‬والتي ل غبار لها‪ ،‬هل يجوز ذلك أو ل يجوز‪ ،‬فمححن‬ ‫قال بعدم الجواز‪ ،‬قال إن من هنا للتبعيض فل بد من أن يلصق باليدين شححيئًا‬ ‫من الغبار الذي يمسح به الوجه والكفان أو الحوجه واليححدان فححي حححال الححتيمم‪،‬‬ ‫والذين قالوا بأن من لبتداء الغاية قلوا بخلف ذلك فقالوا إن المكروه هو أن‬ ‫يكون ابتداء هذا التيمم من هذا الصعيد الذي يوضححع عليححه الكفححان ول يلتفححت‬

‫‪28‬‬

‫إلى لصوق شيء من هذا الصعيد باليدين‪ .‬وكذلك الُقرء أو الَقرء‪ ،‬فإن القححرء‬ ‫يستعمل قرء بضححم القحاف وقححرء بفتحهحا يطلحق علحى الحيححض ويطلحق علحى‬ ‫الطهارة‪ ،‬فالشاعر يقول‪:‬‬ ‫ورب ذي ضعن علي فائض‬ ‫له قروء كقروء الحائض‬ ‫المقصود بححالقروء هنححا بطبيعححة الحححال الحيححض وليححس الطهححر‪ ،‬وعنححد‬ ‫العرب يطلححق أيضحًا القححرء أو القححرء علححى الطهححر‪ ،‬ومححن شححواهد ذلححك قححول‬ ‫الشاعر‪:‬‬ ‫أفي كل عام أنت جاشم غزوة‬ ‫تشد لقصاها عظيم عزائكا‬ ‫موروثة المال وفي الحي رفعة‬ ‫لما ضاع فيها من قروء نسائكا‬ ‫فإن قروء النساء التي تضيع هي أيام الطهر ل أيححام الحيححض لن أيححام‬ ‫الحيض ل ينتفع فيها الرجل بما يريده من زوجته بخلف أيام الطهححر‪ ،‬فإنهححا‬ ‫فرصة استمتاعه بها واختلف العلماء‪ ،‬علماء العربية في أنفسهم فححي الصححل‬ ‫في لفظة القروء‪ ،‬هل الصححل إطلق ذلححك علححى الحيححض أو الصححل إطلق‬ ‫ذلك على الطهر‪ ،‬فالذين قححالوا إن أصححل ذلححك إطلقححه علححى الطهححر قححالوا إن‬ ‫فترة الطهر هي فترة تجمحع الحدم فحي الرححم وأصحل القحروء محن قحرأ يقحرأ‪،‬‬ ‫بمعنى جمع يجمع والجمع يكون في أثنحاء الطهحر والفريحق الخحر قحالوا‪ :‬إن‬ ‫الذي هو بمعنى الجمع هو يقري بالياء ل قححرأ يقححرأ بحالهمز‪ ،‬بحدليل قحول الح‬ ‫تعالى‪)) :‬إنا علينا جمعه وقرآنه((‪ ،‬فعطف القرآن على الجمححع‪ ،‬وإنمححا الححذي‬ ‫هو بالهمز أي قرأ يقرأ هو بمعنى الطهحور ل بمعنحى الجمحع‪ ،‬وفحترة ظهحور‬ ‫الدم إنما هي فترة الحيض ل فترة الطهر وهؤلء عولوا علححى أدلحة كحثيرة ل‬ ‫يمكن لنححا الن أن نستعرضححها‪ ،‬بعضححها مححن كتححاب الحح‪ ،‬وبعضححها مححن سححنة‬ ‫رسول الح ‪-‬صححلى الح عليححه وسححلم‪ ،-‬وبعضححها تعححود إلححى حكمححة التشححريع‪،‬‬ ‫تشريع هذا الحكم‪ ،‬وهو حكم الجدر للنساء المححدخول بهححن‪ ،‬فححالجمع نظححروا‬ ‫إلى أصل الكلمة من حيث دللة اللغة العربية على معناها‪ ،‬كذلك أيضًا هناك‬ ‫اعتبار لمقاصد الشححريعة الغححراء‪ ،‬ومقاصححد الشححريعة تجححب العنايححة بهححا كمححا‬ ‫تجب العناية بالصول‪ ،‬فإن الحكام الشرعية قد يستدل عليها بالمقاصد وقححد‬ ‫يستدل بمقاصد الشريعة أي الخاص بالشريعة على فهححم مقاصحد النصحوص‪،‬‬ ‫فإن شريعة ال تدور حول جلب مصحالح العبحاد ودرء المفاسحد عنحه‪ ،‬فعنحدما‬ ‫تكون المصلحة في أمر ما‪ ،‬فإن شرع ال تعالى يأتي مؤكدًا على ذلك الشيء‬ ‫لتحقيق هذه المصلحة‪ ،‬وعندما تكون المفسدة فححي أمححر مححا تححأتي شححريعة الححه‬

‫‪29‬‬

‫تعالى لدرء هذه المفسدة عن العباد فل بد مححن مراعححاة مقاصححد الشححريعة فححي‬ ‫فهم معاني النصوص ذلححك‪ ،‬لن النصححوص تححأتي وفححق المقاصححد الشححرعية‪،‬‬ ‫وال تبارك وتعالى أخبرنا بأكثر من موضع بأنه عز وجححل يحححب لنححا الخيححر‬ ‫ويريد لنا الخير‪)) :‬يريد ال بكم اليسر ول يريححد بكححم العسححر(( و ))مححا جعححل‬ ‫عليكم في الدين محن ححرج(( فهحذا أمحر ل بحد محن مراعحاته‪ ،‬هنحاك مثل آيحة‬ ‫جاءت في كتاب الح عححز وجححل تححدل علححى أن فححي مححال النسححان حقحًا ))فححي‬ ‫أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم(( هذا الحق خصوصًا مححع وصححفه بححأنه‬ ‫معلوم كما في سورة المعارج‪،‬يحمل على أنه الزكاة‪ ،‬كذلك ))خذ من أموالهم‬ ‫صدقة تطهرهم وتزكيهم(( خذ من أموالهم المححال هنحا علححى ححب المححال حبحًا‬ ‫جمًا وهذا الحب إذا تنافى فححي النفححس اسححتولى عليهححا واسححتحكم فححي أعماقهححا‬ ‫ومنعها من كل خيحر‪ ،‬وححال بينهحا وبيحن كححل مصحلحة‪ ،‬لن النسححان عنححدما‬ ‫يستحكم حب المال في نفسه يتعامى عن جميع المصححالح‪ ،‬ول يبححالي بححالوطء‬ ‫على جميع القيم ول يبالي بانتهاك جميع الحرم‪ ،‬ول يبالي بأية قطيعححة تكححون‬ ‫بينه وبين أقرب أقربائه‪ ،‬وهذا كثيرًا ما يقع‪ ،‬فححالجرائم الماليححة منشححؤها حححب‬ ‫المال‪ ،‬هححذه الجححرائم كححثيرًا مححا تححؤدي إلححى إزهححاق الرواح وإتلف النفححس‬ ‫بسبب إيثار هذه الشهوة المالية الجامحة المستحكمة فححي النفححوس‪ ،‬وقححد جعححل‬ ‫ال تبارك وتعالى دفع الزكاة كمححا جعححل النفقححات الخححرى الححتي شححرعها فححي‬ ‫أموال الناس علجًا لهذا الداء العضال‪ ،‬فعندما يقتصحر النسحان علحى أشحياء‬ ‫مخصوصة وتكون هنالك أموال نامية في حيزة بعض الناس ول يححدفع منهححا‬ ‫الزكاة‪ ،‬كان ذلك بطبيعة الحال مؤديًا إلى الشقاق ومؤديحاً إلححى اسححتحكام هححذه‬ ‫الشكوى في نفوس أصحاب الموال‪ ،‬ثم إن ذلك يؤدي إلى تنامي الحسححد فححي‬ ‫نفوس المحرومين عندما تكححون هححذه المححوال الطائلححة فححي أيححدي طائفححة مححن‬ ‫الناس يتحكمون فيها ويتصرفون فيها كما يشاؤون مححع حرمححان هححذه الطبقححة‬ ‫الضعيفة البائسة من خيرات هذه الموال‪ ،‬لذلك يتبين أنححه ل بححد مححن توسححعة‬ ‫وعاء الزكاة‪ ،‬ولكن هذه التوسعة يجب أن تكون فيما تشتد إليه حاجححة النححاس‬ ‫وفيما تكون حاجة الناس إليححه أدعححى مححن الشححياء الححتي يأخححذ منهححا الرسححول‬ ‫صلى ال عليه وسلم الزكاة‪ ،‬أخذها النبي صلى ال عليه وسححلم مححن الحبححوب‬ ‫التي يقتات بها الناس في معاشهم وأخذها عليه أفضححل الصححلة والسححلم فححي‬ ‫ماشيتهم التي يتغذون بها‪ ،‬أخذها من النعام التي هححي أيض حًا مححن قححوام حيححاة‬ ‫البشر‪ ،‬وأخذها صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وانعقد الجماع‪ ،‬ودلت اليات القرآنيححة‬ ‫على أخذها في التجارة‪ ،‬على أن التجححارة أيضحاً وعححاء للزكححاة‪ ،‬لن التجححارة‬ ‫فيها تبادل المنافع وهي وسيلة من وسححائل تنميححة المححال‪ ،‬فل ُبحّد مححن مراعححاة‬ ‫ذلك كله‪ ،‬وهناك أمثلة كثيرة ل يتسع المقام الن لبسطها‪ ،‬فالموضححوع واسححع‬

‫‪30‬‬

‫الرجاء وهو بحاجة إلى دراسة متأنية عميقة‪ ،‬وأن يكون الدارس فيهحا علحى‬ ‫فراغ بال‪ ،‬ونسأل ال سبحانه وتعححالى أن يهححدينا وإيححاكم سححواء السححبيل‪ ،‬وأن‬ ‫يلهمنا رشدنا‪ ،‬وأن يعلمنا ما لم نعلم‪ ،‬وأن يفهمنا ما لم نفهححم‪ ،‬وأن يهححدينا إلححى‬ ‫الطريق القوم‪ ،‬وأشكركم على إصغائكم‪.‬‬ ‫والسلم عليكم ورحمة ال وبركاته‪.‬‬

More Documents from "Brahim"

June 2020 11
June 2020 13
June 2020 7
June 2020 8
June 2020 10
June 2020 8